مهرجان التراث الجزائري يضع المرأة في صدارة حفظ الذاكرة الثقافية
تحتفي هذه الدورة من مهرجان التراث الجزائري بدور المرأة في صون الذاكرة الثقافية، عبر برنامج يجمع الحرف والفنون والموسيقى والسينما والتكوين الرقمي، ويفتح الموروث على قراءات معاصرة.
نجوى راهم
الجزائر ـ تستعد الجزائر لاحتضان الطبعة الحادية عشرة من المهرجان الثقافي الوطني لإبداعات المرأة، المقرر تنظيمها ما بين 8 إلى 12 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بالمتحف الإفريقي "فيلا بولكين" سابقاً بحسين داي، تحت شعار "الحرفة والعادات المنسية"، بهدف تسليط الضوء على جانب من الحرف والممارسات التقليدية التي لا تزال حاضرة، وإن أصبحت ممارستها محصورة في عدد محدود من النساء عبر مناطق مختلفة من البلاد.
خلال الندوة الصحفية التي احتضنتها فيلا بولكين، أمس السبت الثالث من تشرين الأول/أكتوبر، تم تقديم الخطوط العريضة لبرنامج هذه الدورة، التي تجمع بين الورشات الحية والتدريبية، والعروض الفنية والسينمائية، الندوات العلمية، إلى جانب محاور تتصل بالتمكين الرقمي وتثمين التراث الجزائري.
وتضع هذه الطبعة المرأة في صلب عملية التعريف بالموروث الثقافي، باعتبارها حاملة لمعارف وتقنيات ارتبطت، على مدى أجيال، بالحياة اليومية والحرف والموسيقى والطبخ وغيرها من أشكال التعبير الثقافي.
الحرف المنسية... من الذاكرة إلى فضاء العرض
لا يقتصر برنامج المهرجان على عرض المنتجات التقليدية، بل يفتح المجال أمام الحرفيات والفنانات لتقديم تقنيات عملية أمام الجمهور من خلال ورشات حية، بمشاركة نساء من مناطق مختلفة من الجزائر.
وتشمل هذه الورشات مجالات متعددة مثل النسيج، الفخار، الحلي، الرسم، التصوير الفوتوغرافي، الكتاب، والأثاث، والموسيقى والسينما، في محاولة لإعادة تقديم بعض الممارسات التي تراجعت مساحة حضورها في الحياة اليومية.
ويهدف البرنامج إلى تثمين المهارات والكفاءات النسوية، وتشجيع الإبداع والابتكار، وتقديم قراءة معاصرة للموروث، إلى جانب المساهمة في حماية التراث المادي وغير المادي.
وتشارك الشيف ياسمينة سلام في هذه الطبعة من خلال محور مرتبط بالمطبخ الجزائري، انطلاقاً من اهتمامها بتوثيق الذاكرة الغذائية والثقافية الجزائرية. وتقول إن حضورها في المهرجان يرتبط بمسألة الذاكرة الجزائرية الغنية بالتراث، خصوصاً في مجال الطبخ، موضحة أنها ستقدم ورشات تتناول جوانب مختلفة من المطبخ الجزائري.
وتوقفت عند شعار هذه الدورة، معتبرةً أنه يستند إلى قوة وذاكرة الأم الجزائرية، التي اضطلعت، في رأيها، بدور أساسي في صون الموروث الثقافي والحفاظ عليه ونقله من جيل إلى آخر.
وتستند ياسمينة سلام في هذا المجال إلى تجربة في التوثيق، من خلال كتابين أشارت إليهما خلال حديثها، هما "La mémoire algérienne" و"جذور وألوان الجزائر"، إلى جانب عملها على المطبخ الجزائري بوصفه أحد مكونات الذاكرة الثقافية. كما عبرت عن سعادتها بالمشاركة في هذه الطبعة، وما تتيحه من فرصة للاحتفاء بالموروث الجزائري وإبراز أدوار النساء في صونه واستمراره.
الموسيقى الأندلسية في ورشات المهرجان
من جهتها، تحضر الفنانة بهيجة رحال في برنامج المهرجان من خلال ورشات تتصل بالموسيقى الجزائرية، خاصة فن النوبة والموسيقى الأندلسية.
وتتناول الورشات جوانب من هذا التراث الموسيقي، مع تخصيص مساحة للنساء ضمن الورشات الإبداعية المبرمجة خلال أيام الفعالية.
وربطت بهيجة رحال مشاركتها أيضاً بموضوع الحرف التقليدية، مشيرة إلى أن الحديث عن الحرف المرتبطة بالنساء لا ينبغي أن يقتصر على الخياطة والطبخ، بل يتعين أن يشمل حرفاً تقليدية أخرى قد لا تحظى بالمعرفة الكافية اليوم.
وترى أن الهوية الجزائرية غنية جداً، وأن هناك حرفاً وممارسات ثقافية جزائرية لا تزال غير معروفة بالشكل الكافي، سواء داخل الجزائر أو خارجها، معتبرة أن إعادة التعريف بها يمكن أن تعزز الارتباط بالهوية الثقافية.
ومن بين المحاور التي يقدمها البرنامج أيضاً ماستر كلاس "النوبة... تراث مهدد" من تقديم بهيجة رحال.
من صناعة المحتوى إلى الترويج للتراث
كما تشارك لالا لاموني، صانعة محتوى على مواقع التواصل الافتراضي في مجال التسويق والترويج للتراث الجزائري، وصحفية مهتمة بالمجال الثقافي.
وتحدثت عن مشاركتها في هذه الطبعة باعتبارها فرصة للتعلم والتعرف على المشاركين وتبادل الخبرات حول التراث والثقافة الجزائرية.
وكان لها أيضاً حضور في المقطع الترويجي الخاص بالطبعة، وهي تجربة وصفتها بأنها قريبة منها، كونها تعكس جانباً من الأشياء التي تعيشها وترتبط بها يومياً، خصوصاً ما يتعلق بالتراث والجذور.
وتأمل لالا لاموني أن يساهم المهرجان في فتح حوار فني وثقافي حول التراث الجزائري، وأن يتجاوز التعريف به الحدود المحلية، ليصل إلى جمهور خارج الجزائر، مؤكدة رغبتها في أن يكون التراث الجزائري حاضراً في المحافل الدولية.
"كابتي حكايتي"... المرأة وعلاقتها بالفضاء والتراث
ومن بين المشاركين في فعاليات المهرجان أيضاً رئيسة الوكالة السياحية، ريان جفافلة صاحبة مبادرة "كابتي حكايتي"، التي تقوم فكرتها على أن "حقيبتي هي سر حكايتي".
وأوضحت أن عمل الوكالة عبر مناطق مختلفة من البلاد أتاح لها الاطلاع على تنوع المهارات والمعارف المرتبطة بالموروث الجزائري، مشيرة إلى أن الوكالة تلقت دعوة من وزارة الثقافة والفنون للمساهمة في هذه الفعالية.
كما تحدثت عن الاستفادة من خبرات أشخاص عملوا في مجال الأرشيف والتاريخ، موضحة أن مشاركتها ستتطرق إلى دور المرأة وتأثيرها في الفضاء الذي عاشت فيه، وعلاقة النساء بالأماكن التي احتضنت ممارساتهن وحرفهن.
وتتضمن هذه المقاربة العمل على توثيق وأرشفة بعض عناصر التراث، مع إبراز حضور المرأة فيها، والتعامل مع المادة التاريخية وفق ما توفره الوثائق والأرشيف.
من الحرفة إلى السينما والتمكين الرقمي
ويخرج المهرجان في هذه الدورة من الإطار الحرفي الضيق، ليقدم برنامجاً متعدد المجالات، يجمع بين التراث والفنون والتدريب.
وفي مجال التصميم والديكور، تتضمن البرمجة ورشة متخصصة في الديكور الداخلي الجزائري، بينما يخصص محور آخر للتمكين الرقمي من خلال ورشة في التسويق الرقمي بالتعاون مع المدرسة العليا الجزائرية للأعمال.
كما تحضر السينما ضمن البرنامج، من خلال عروض مبرمجة يوم 10 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بقاعة السينماتيك بالجزائر العاصمة، من بينها فيلم "تاع تعزريت" للمخرجة أريناس كوثر درنوني.
ندوات حول التراث والمرأة والموسيقى
ويضم البرنامج أيضاً عدداً من الندوات العلمية التي تفتح النقاش حول قضايا مرتبطة بالموروث الثقافي، من بينها "اليونسكو وحماية التراث"، "المرأة والتصوف"، "الموسيقى الشعبية المنسية ودورها الاجتماعي"، إلى جانب محور حول تاريخ وأصالة المطبخ الجزائري.
كما يتضمن البرنامج محوراً حول المبادرات الاقتصادية والإنسانية الجديدة، إلى جانب إطلاق منصة رقمية بعنوان "بي جزائري".
وتتوزع هذه الأنشطة على مدار خمسة أيام، في فضاء المتحف الإفريقي "فيلا بولكين" بحسين داي، في محاولة للجمع بين عرض الموروث وتوثيقه، وبين تقديمه في أشكال معاصرة تتيح وصوله إلى جمهور أوسع.