"سيدة الأرض"… لوحة فنية تُولد من الركام مع حلول يوم الأرض الفلسطيني
من بين الركام، تولد "سيدة الأرض" كرمزٍ بصري تجسده ندى رجب لامرأة فلسطينية تحمل الأرض على كتفيها وتقاوم بها محاولات الاقتلاع والإبادة.
نغم كراجة
غزة ـ في زاوية من مدينة أثقلها الركام، تقف الشابة العشرينية ندى رجب حاملة فرشاتها كما لو كانت سلاحاً أخيراً في وجه الفناء، تُعيد من خلاله تشكيل المعنى في مكان تكاد فيه الحياة تفقد ملامحها، لا تكتفي برسم لوحات جمالية بل تشيد عبر الفن سردية كاملة عن شعب يُحاصر، وامرأة تقاتل يومياً لتبقى.
مع حلول يوم الأرض الفلسطيني الذي يوافق 30 من آذار/مارس، جاء حضورها محملاً برؤية بصرية حادة، تجسدت في عملها الفني الأبرز "سيدة الأرض". هذه اللوحة لم تولد في مرسم تقليدي بل خرجت من قلب الدمار، من قماش ستائر انتشلته ندى رجب من بين أنقاض منزل مدمر؛ لتعيد توظيفه كمساحة للحياة بدل أن يكون شاهداً على الغياب.
ويحمل اختيارها دلالة عميقة على أن الإبداع في غزة لا يستورد، بل يخلق من رحم الألم ذاته، تقول ندى رجب "لم أبحث عن أدوات مثالية بل عن معنى حقيقي حين وجدت قماش الستائر بين الركام، شعرت أنه يحمل ذاكرة بيت كان نابضاً بالحياة، فقررت أن أُعيد له صوته من خلال الرسم".
تحمل "سيدة الأرض" ملامح امرأة فلسطينية تقف بثبات، جذورها ضاربة في الأرض، وملامحها ممتدة بين الألم والصمود، ليست مجرد شخصية رمزية إنما اختزالٌ لتجربة آلاف النساء اللواتي وجدن أنفسهن في قلب المسؤولية بعد أن فقدن المعيل أو البيت أو حتى الإحساس بالأمان. في هذه اللوحة، تُجسّد ندى رجب المرأة الفلسطينية بوصفها العمود الفقري للبقاء، لا كضحية بل كفاعل رئيسي في معركة الوجود.
وتقول "المرأة في غزة أصبحت هي من تُنقذ ما تبقى، هي التي تطعم، وتربي، وتداوي، وتقاوم، لذلك كان من الضروري أن تكون سيدة الأرض امرأة؛ لأن الأرض نفسها تشبهها في صبرها وخصوبتها وقدرتها على النهوض رغم كل شيء".
لم تكن هذه اللوحة حدثاً منفصلاً بل تأتي ضمن مسارٍ طويل من العمل الفني الذي التزمت به ندى رجب منذ اندلاع الحرب التي استمرت لأكثر من عامين، خلال هذه الفترة لم تتوقف عن الرسم رغم القصف، النزوح، وانعدام أبسط مقومات الحياة، وحولت الفن لديها إلى وسيلة بقاء، وإلى أداة توثيق لا تقل أهمية عن الكلمة أو الصورة الصحفية.
لوحات تجسد معاناة نساء غزة
أنجزت ندى رجب أكثر من 350 لوحة فنية خلال فترة الحرب، تناولت فيها تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار، ومشاهد الموت، وانهيار البنية الإنسانية لكنها في الوقت ذاته لم تغفل لحظات التماسك والصمود، في كل لوحة كانت هناك محاولة لإعادة تعريف الواقع ليس كما يعرض في نشرات الأخبار بل كما يعاش في الداخل حيث الألم أكثر تعقيداً، والحياة أكثر هشاشة.
وتضيف "أنا لا أرسم لأُوثق الحقيقة، كل لوحة هي شهادة، وكل لون هو صرخة، أريد للعالم أن يرى ما نعيشه من خلال الوجوه، التفاصيل، والقصص التي لا تُروى".
ضمن هذا المسار، خصصت ندى رجب جزءاً كبيراً من أعمالها لتجسيد واقع المرأة الفلسطينية خلال الحرب حيث أنتجت عشرات اللوحات التي تُظهر التحولات القاسية التي فرضتها الحرب على حياة النساء، في هذه الأعمال تظهر المرأة وهي تحمل أطفالها وسط الدمار، أو تقف في طوابير الانتظار بحثاً عن الغذاء، أو تُحاول لملمة ما تبقى من منزلٍ فقد سقفه.
وتروي "كنت أرى النساء حولي يتحولن إلى جبهات كاملة للحياة لم يعد دورهن محصوراً في مكان نزوحهن؛ لأن البيت نفسه لم يعد موجوداً لذلك شعرت أن من واجبي أن أُظهر هذه القوة، هذه القدرة على الاستمرار رغم كل شيء".
كما لم تغب الانتهاكات الإسرائيلية بحق السكان في غزة عن أعمالها بل كانت حاضرة بقوة من خلال لوحات تجسد التجويع، التهجير، والقتل كتجارب ملموسة، في إحدى لوحاتها تظهر عائلة تجلس حول مائدة فارغة في إشارة إلى الحصار الغذائي بينما تُظهر لوحة أخرى طوابير النازحين وهم يسيرون في طرقٍ مدمّرة، بلا وجهة واضحة.
التجويع محاولة للإذلال
تقول ندى رجب "أردت أن أُظهر أن ما يحدث هو عملية منهجية لكسر الإنسان، التجويع ليس نقصاً في الطعام فقط بل محاولة لإذلال الروح، والتهجير هو انتقالاً من مكان إلى آخر بل اقتلاع من الجذور".
ورغم كل هذا الثقل، لا تخلو أعمال ندى رجب من أمل خفي، يظهر في تفاصيل صغيرة، كطفل يبتسم، أو زهرة تنمو بين الركام، أو عين تلمع بالإصرار، هذا التوازن بين الألم والأمل هو ما يمنح أعمالها قوة خاصة، ويجعلها قادرة على مخاطبة العالم بلغة إنسانية تتجاوز الحدود.
في ختام حديثها، تلخص ندى رجب رسالتها بعبارة تختزل كل ما تحمله من إصرار "إذا كان قدري أن أموت، فأنا أرفض أن أكون مجرد رقم، أريد أن أُعرف، وتُروى قصتي، وأن يبقى أثري شاهداً على أنني كنت هنا، وأنني قاومت بطريقتي".
في زمن تُختزل فيه الحكايات إلى إحصائيات، تُصر ندى رجب على أن تعيد للإنسان وجهه، صوته، كرامته، من خلال الفن، وفي كل ضربة فرشاة تُثبت أن الإبداع ضرورة، واللوحة قد تكون أحياناً أبلغ من ألف شهادة.