من الهندسة إلى الرسم... رحلة شام أبو بكر في عالم الفن

مزجت المهندسة والفنانة الكردية شامّ أبو بكر بين الهندسة والرسم لتجسيد ذاكرة مدينتها وثقافة المرأة الكردية، مستلهمةً من جذورها العائلية وشغفها المبكر بالفن، داعيةً النساء للاستمرار في الإبداع مهما كانت الظروف.

هيفي صلاح

السليمانية ـ اختارت المهندسة شامّ أبو بكر أن تجعل من فنّ الرسم مساحة خاصة تلجأ إليها إلى جانب عملها الرسمي، فبين الخطط والمشاريع الهندسية، تحوّلت لوحاتها إلى لغة تعبّر بها عن مشاعر المرأة وتحدياتها في مجتمع اليوم.

تسعى مهندسة التخطيط والرسّامة شامّ أبو بكر إلى الكشف عن العلاقة التي تربط بين عالمي الهندسة والفن، وكيف يمكن لامرأة أن تبني هويتها الخاصة في المساحة الفاصلة بينهما، فخلال سنوات دراستها ومسيرتها المهنية، أصبح الخط واللون وسيلتها للتعبير عن الإحساس والفكرة، ومن هذا التداخل بين المجالين استطاعت أن تصوغ لنفسها هوية جديدة؛ هوية لا تُختزل في منصب وظيفي، بل تتجلى في قدرتها على الإبداع والابتكار وصنع معنى مختلف لوجودها.


الفن والهوية الكردية في لوحاتها

تقول شامّ أبو بكر "منذ طفولتي كنت شغوفة بالرسم، فقد كنت أقضي ساعات طويلة في فناء منزلنا أرسم كل ما يخطر في بالي، وحتى في مرحلة الروضة، كانت معظم الرسومات المعلّقة على الجدران من عملي، ومع مرور الوقت، وبسبب انشغالي بالدراسة، ابتعدت قليلاً عن الفن، إلى أن التحقت بقسم هندسة التخطيط وأصبحت مهندسة".

وأضافت "خلال سنوات دراستي في جامعة دهوك، تعرّفت على مجموعة من الفنانين المميزين الذين كانوا أساتذة في الجامعة ومسؤولين عن النشاطات الثقافية، ومعهم عدت تدريجياً إلى عالم الفن وبدأت الرسم من جديد، وبعد عودتي إلى السليمانية وحصولي على شهادة البكالوريوس في الهندسة، رغبت في دراسة الفن بشكل أكاديمي، فالتحقت بقسم الفنون في المدينة".

وأفادت أنه في عائلتها جذور فنية واضحة "خالتي فنانة رغم أنها لم تدرس الفن أكاديمياً، وأخي يعزف على الكمان، وأختي تعمل في مجال الخياطة، كل واحد منا يمارس نوعاً من الفن إلى جانب عمله، واليوم، حتى بناتي يمتلكن مهارة عالية في الرسم ويشاركنني الشغف نفسه".

وتتابع قائلة "كان والدي يردد دائماً أن كل ما لا يمتزج بالفن يبقى ناقصاً، فهناك أشياء كثيرة نحملها في داخلنا لا نستطيع التعبير عنها بالكلام، بل تبقى حبيسة أعماقنا، لذلك نحتاج إلى الفن ليكون الجسر الذي نُخرج عبره كل ما نخفيه في دواخلنا ".

وعن والدتها، فكانت تروي دائماً أنها في الماضي كانت تعمل بالخياطة والتطريز "رغم أنني لا أتذكر ذلك جيداً، لكن شقيقاتي يؤكدن أن معظم ملابسنا كانت من صنع يديها، ومنذ طفولتنا امتلكنا جميعاً مهارة في الخياطة، وعندما دخلنا عالم الفن واصلنا تطوير هذه المهارات، حتى أصبحت جزءاً من هويتنا الفنية اليوم".


حين تتحول الألوان إلى لغة للمرأة الكردية

وعن سلوكياتها في طفولتها، أوضحت "كنت شديدة الهدوء، أتذكر جيداً أنه عندما التحقتُ بالصف الأول الابتدائي، حملتُ كتبي إلى المنزل بعزمٍ كبير، أطمح منذ اللحظة الأولى أن أتقن القراءة، لذلك بدأتُ القراءة مبكراً، ومنذ ذلك الوقت أصبح الكتاب رفيقي الدائم، كنت أقضي معظم وقتي بين القراءة أو الرسم، وهذا ما جعلني طفلة هادئة ومنطوية على عالمي الخاص".

واستذكرت أول لوحة رسمتها في الروضة، وأنه لا تزال بعض تلك الرسومات محفوظة لديها حتى الآن "عندما أعود إليها اليوم أبتسم، لأنها كانت غريبة ومليئة بالخيال؛ كنتُ أضع الأنف فوق العينين، أو أرسم الفم مقلوباً، وأمزج الألوان بطريقة غير مألوفة، وأبتكر عوالم خيالية خاصة بي، أما أولى رسوماتي الحقيقية فكانت تلك التي رسمتها في باحة الروضة".


ذاكرة السليمانية

وترى شام أبو بكر أنه عندما يدخل الإنسان عالم الفن للمرة الأولى، يشعر برغبة في تجربة كل الأساليب والاتجاهات، لكن مع الاستمرار في العمل والممارسة اليومية يبدأ الفنان تدريجياً باكتشاف لونه الخاص "خلال هذه السنوات عملتُ كثيراً على فن الذاكرة والأسلوب التجريدي، كما تناولتُ في أعمالي موضوعات المرأة والثقافة، ولدي أيضاً لوحات في البورتريه والطبيعة الصامتة، لذلك أستطيع القول إنني جرّبت معظم المدارس الفنية واكتسبت خبرة واسعة، وخلال السنوات الأربع الأخيرة تعمّقت أكثر في هذا المجال".

وأوضحت أن "أكثر ما شدّني في عملي كان الجانب الثقافي؛ فقد عملت على ذاكرة السليمانية وحنين الأماكن القديمة، وكان آخر مشاريعي حول المواقع التراثية، وتطرّقت فيه إلى الأعمال اليدوية النسائية مثل التطريز، إذ حاولتُ إدخال هذا الفن التقليدي في لوحاتي، لأن المرأة الكردية في الماضي كانت تعتمد بشكل كبير على العمل اليدوي".

وأضافت "أركز كثيراً على الذاكرة وكيف تترك الطبيعة بصمتها في وجداننا؛ كآثار الطين، أو قطرات المطر على الأبواب والنوافذ، كما عملتُ على قضايا النساء ودورهن في الفن، خاصة أن القرى الكردية شهدت ظهور مبدعات يمتلكن مهارة عالية في الأعمال اليدوية".


المرأة الكردية بين إرث الإبرة وريشة الفن

ولفتت شام أبو بكر الانتباه إلى التاريخ الكردي القديم، فعند دخول أي بيت، يمكن إدراك أن المرأة فيه صاحبة يدٍ مبدعة "هذا ما عرفته جيداً في بيت جدّتي، فالنساء اللواتي كنّ يعملن بالخياطة والتطريز وصناعة الأقمشة، كنّ يبدعن لوحات فنية كاملة باستخدام الإبرة والخيط فقط، وترى أن كل قطعة فيه تحمل بصمتها، هكذا كانت جديت تخيط الملابس لأطفالها وتبتكر كل تفاصيل البيت بيديها".

وأشارت إلى وجود الكثير من الفنانات الكرديات اللواتي تميّزن في الماضي "أقول بفخر إن الثقافة الكردية غنية بالألوان والجمال، وفي كل أجزاء كردستان نجد فنانات قدّمن ثقافتنا للعالم من خلال أعمالهن، بل إن عدد من الفنانات الكرديات ما زلن يواصلن الإبداع من داخل السجون، حيث يحوّلن الألم والمعاناة إلى أعمال فنية تعبّر عن وجعهن ووجع الشعب الكردي".

وأكدت "كفنانين نرغب أن تحمل أعمالنا موضوعاً واضحاً ورسالة عميقة، وأن تكون مدعومة برؤية نقدية حقيقية، لذلك من المهم أن يرى الناس من حولنا أعمالنا، فربما يقدّمون قراءاتهم الخاصة ويضيفون منظوراً جديداً إلى لوحاتنا، ولهذا لا يكفي عرض أعمالنا في قاعات الفن فقط، بل من الضروري أن نعرضها في أماكن متعددة، وخاصة في الفضاءات العامة".


الفنان الكردي بين الإبداع وتحديات الدخل

وحول التحديات التي تواجهها، قالت شام أبو بكر أنها "نادراً ما أستطيع بيع اللوحات التي أرسمها، فمعظم أعمالي ترتبط بمشاعري وتجربتي الشخصية، لذلك يصعب عليّ التخلي عنها، لكن إذا طلب مني أحدهم لوحة محددة ورغب أن أرسمها له، عندها أنفّذها بناءً على طلبه".

وأكدت أنه بشكل عام، من الصعب على الفنان في إقليم كردستان أن يعتمد على الفن كمصدر دخل أساسي، فالأمر يعتمد كثيراً على شهرة الفنان وانتشار أعماله "صحيح أن هناك فنانين استطاعوا تحويل الفن إلى مصدر رزق، لكن عددهم قليل جداً، ومعظم الفنانين لا يستطيعون العيش من دخل لوحاتهم فقط، لذلك يعمل أغلبهم في وظائف أخرى إلى جانب الفن، إذ إن نحو 80% من الفنانين لا يمكنهم الاعتماد على الفن وحده لتأمين معيشتهم".


الفنّ مساحة مقاومة تمنح المرأة الكردية صوتها وقوّتها

كما تطرقت شامّ أبو بكر إلى التحديات التي تواجه النساء "الكثير من النساء لا يستطعن الاستمرار في مسيرتهن الفنية بسبب ظروفهن العائلية، أو بسبب القيود الاجتماعية والعادات التي تُبعدهن عن الفن، ففي مجتمعنا ما زال بعض الناس يتحفظون على ضلوع المرأة في الفن، لأنه يتطلب الظهور والمشاركة وعرض الأعمال أمام الجمهور"، لافتةً إلى وجود نساء مبدعات استطعن الجمع بين الفن وإدارة الأسرة "هن مصدر فخر كبير لنا، وأتمنى لهن الاستمرار والمضيّ قدماً".

وعبّرت عن فخرها الكبير تجاه الأعمال التي قدّمتها للمرأة وللثقافة الكردية، لا سيما مشروعها الأخير الذي تناول هوية السليمانية وحنينها وألوانها وتراثها "يمنحني شعوراً جميلاً حين أعرض أعمالي الفنية ويرى الناس جمالها ويتفاعلون معها، فبالنسبة لي، تبقى ثقافتنا ونساءنا المبدعات مصدر اعتزاز لا ينضب"، متمنيةً أن تبقى النساء قويات مهما كانت الظروف، وأن يواصلن عرض أعمالهن الفنية "أعلم أن الأمر ليس سهلاً، خاصة لمن تتحمل مسؤولية أسرة، لكنه تحدٍّ تستطيع المرأة الكردية أن تنتصر فيه، فهي تحمل موهبة خاصة، وثقافتنا لطالما احتفت بمهارة النساء وقوتهن، فنساءنا يقاتلن في الجبال، ويبدعن في الفن، ويجمعن بين الشجاعة والجمال".