"بين المرئي والصمت"... فنانة تحتفي بالمرأة والبيئة عبر الفن التجريدي

تعرض الفنانة التشكيلية سهيلة عروس بفضاء صلاح الدين بسيدي بوسعيد 37 لوحة تناولت مواضيع مختلفة وعلى رأسها المرأة والبيئة.

 نزيهة بوسعيدي

تونس ـ تسببت الفيضانات الأخيرة التي شهدتها تونس في توقف فضاء صلاح الدين بالضاحية الشمالية لتونس العاصمة وعمل المعرض لأيام لكنه عاد ليواصل عرض لوحات الفنانة التشكيلية سهيلة عروس تحت عنوان "بين المرئي والصمت".

انطلق معرض الفنانة التشكيلية سهيلة عروس تحت عنوان "بين المرئي والصمت" في 20 كانون الثاني، ومن المقرر أن يستمر حتى 8 شباط، ويضم المعرض 37 لوحة، تختلف مضامينها بين (المرأة، البيئة، التراث، الطبيعة) لكنها تتلاقى جميعها في استخدام الألوان الزاهية والحية، ما يعكس مدى تمسك الرسامة بالأمل وحب الحياة. وأكدت سهيلة عروس أن هدفها إيصال شعور متلقي العمل الفني بالمحبة للحياة، قائلة "الحياة جميلة رغم صعوباتها ومشاكلها وأزماتها، إلا أن الأمل في مواصلتها ونحت الذات والإبداع والخلق من القيم، يجب أن يتمسك بها أطفالنا وشبابنا خاصة".


         


        
تنمّي الخيال

اختارت الفنانة التشكيلية سهيلة عروس الفن التجريدي في جميع لوحاتها وهو وفق تصريحها أخر محطة وصلت اليها بعد رسم الطبيعة والخرائط والشخصيات في بداياتها، ولأنه أيضاً من الفنون التي تعبر عن الذات الصامتة وتحاكي ما هو موجود ومتحرك فيشعر المتلقي أن اللوحة تعبر عنه وتحاكيه في كل المواضيع المطروحة.

وتقول أن خيالها الخصب في الفن التشكيلي يعود لانتمائها لجزيرة قرقنة بمحافظة صفاقس، حيث نشأت في وسط طبيعي خلاب وثري بالموروث الثقافي، والمرأة فيه فاعلة ومناضلة وتعمل أكثر بالفلاحة (براً وبحراً). 

وأضافت "تشكّلت علاقتي بالفن منذ الطفولة، كحاجة داخلية للتعبير، وتأثرت بوالدي الذي كان يرسم لي ويشجعني منذ الصغر، حتى أتاح لي الفن التجريدي حرية التعبير عن الإحساس والذاكرة والصمت بعيداً عن الشكل المباشر عبر الألوان والأشكال المختلفة لأعبر عن الإنسان، الذاكرة، الصمت، البيئة، والعلاقة بين الكائن والطبيعة".

وقالت سهيلة عروس أن "مساري الفني يقوم على التكوين الذاتي في البداية، ثم تكوين الأكاديمي لسنتين المدعّم أيضاً بالتجربة والمعارض والاحتكاك بالفنانين الكبار داخل وخارج تونس"، موضحةً أنه رغم دراستها علوم التجارة عوض الفنون الجميلة، إلا أن التدريب الذي تلقته في هولندا لمدة سنتين أعطاها الانطلاقة، حيث كانت تمارس الرسم كهواية في البداية، لكن سرعان ما تحول الأمر إلى احترافية حقيقية، معتمدة على البحث والفكرة، وليس مجرد رسم أشكال أو اختيار ألوان "أصبح الفن التجريدي يمثلني ويمثل الشعور الذي أريد إيصاله للمشاهد".

وأشارت بيدها إلى إحدى اللوحات التي تبدو مجرد خطوط دائرية متناسقة الألوان، إلا أنها بينت أن مضمون اللوحة بيئي، والصورة هي عبارة عن ذبابة كما نراها بالمجهر، والرسالة هي أنه لا يمكن نكران دورها في التوازن البيئي.

وأوضحت أن البعد البيئي يهمها كثيراً وخاصة توعية الأطفال بأهمية المحافظة على المحيط والطبيعة، وقد قامت بذلك في العديد من الأنشطة والملتقيات عبر تنشيط الورشات.


         


        
حضور المرأة

يضم المعرض أيضاً على العديد من اللوحات التي تناولت موضوع المرأة، خاصة المرأة القرقنية والتي ترتدي الملابس التقليدية التونسية.

تقول سهيلة عروس أن المرأة "حاضرة كقيمة إنسانية وكرمز للذاكرة والقوة، بعيداً عن الصورة النمطية"، مشيرةً إلى أن "الطيارية القرقنية" هي لحاف يوضع على الراس ومعروفة جداً في التراث التونسي ويختلف شكل الزهرة بين المرأة المتزوجة والعزباء حتى يميز الناظر بينهما.

وجسدت المرأة في بقية لوحاتها باعتماد ألوان زاهية جداً لتعكس الأمل والفرحة ولكنها دون ملامح حتى يضع المتلقي الملامح التي يريد، كما يحتوي المعرض على لوحة لامرأة وهي ترتدي ملابس تقليدية رفقة قط، وقالت الرسامة أن "هذه أنا وهذا قطي الذي هو في الأصل قط العمارة، لكنه يصعد يومياً السلالم لزيارتي ويؤنسني وأنا أرسم فعلمني الكثير من الصبر ومنحني مشاعر صادقة غيرت بداخلي أشياء كثيرة، لاسيما وأن هذه الأعمال أنجزتها على امتداد سنتين من العمل".


         


        
صمود الفن التشكيلي

ونحن نعيش عصر الصورة التي ازداد تطورها أكثر بغزو الذكاء الاصطناعي، يفرض السؤال نفسه إلى أي مدى يظل الفن التشكيلي صامداً أمام هذه التحولات التي يعيشها كل العالم؟ وهل سيواصل استقطاب الشباب في ظل إدمانهم على التكنولوجيا الحديثة، وما تروجه من صور متنوعة وذات جاذبية؟

وعن هذا السؤال تجيبنا الفنانة التشكيلية بالقول "الفن التشكيلي سيحافظ على قيمته الاعتبارية والجمالية مهما كانت المؤثرات الخارجية وتعلّق اهتمامات الناس بأشياء أخرى"، داعيةً الشباب إلى مواصلة المشوار عن الفنانين الكبار للمحافظة على هذا الفن النبيل الإنساني الذي يستطيع أن يلامس روح الإنسان وعقله في نفس الوقت".

وحول أوضاع قطاع الفن التشكيلي بصورة عامة قالت "الكثير من الفنانين غير سعداء، لأن الفنانين يعيشون من فنهم وما تمنحه إياهم لجنة الشراءات لا يغطي تكاليف الكراء والتأمين الصحي وتكاليف الرسم وغيرها، ولكن هذا لا يعني أن القطاع صعب بل على العكس أشجع الأطفال والشباب على الإقبال عليه لأنه يصقل الثقة بالنفس ويدفع إلى الإبداع والابتكار كقيم مطلوبة في اعتماد التكنولوجيا، والابتعاد عن الاستعمال السلبي للإنترنت وكل ما يضيع الوقت".

تجدر الإشارة إلى أن الفنانة سهيلة عروس هي فنانة تشكيلية محترفة، من مواليد جزيرة قرقنة ـ تونس. شاركت في أكثر من 90 معرضاً فردياً وجماعياً في تونس وعدة بلدان أوروبية وعربية، من بينها الجزائر، المغرب، مصر، العراق، كوت ديفوار، تركيا، فرنسا، بولندا وويلز. وهي عضوة بالاتحاد التونسي للفنانين التشكيليين، وناشطة في تنظيم وتنسيق التظاهرات الفنية الدولية.

وحالياً، تستعد لعرض مشروع فني وعلمي دولي يضم فنانين أوروبيين، ستُعرض نتائجه في ألمانيا وفرنسا وبولندا في آذار/مارس 2026.