البلوزة الوهرانية... خيوط تحكي ذاكرة وهوية الجزائر
من أزقة وهران القديمة إلى منصات التراث العالمي، تواصل البلوزة الوهرانية حضورها كرمز الهوية الجزائرية، بتطريزاتها الذهبية وتعدد تصاميمها وأسمائها، تختزن هذه القطعة حكايات الأجيال وطقوس الأفراح، بينما تسعى الجزائر إلى تثمينها وحمايتها كجزء أصيل من تراثها.
رابعة خريص
الجزائر ـ في مدينة وهران، إحدى أكبر المدن الجزائرية وعاصمة الغرب الجزائري، تبرز البلوزة الوهرانية بوصفها أكثر من مجرد لباس تقليدي؛ فهي جزء أصيل من هوية المرأة الجزائرية وذاكرتها الثقافية. ويختزن هذا الزي في تفاصيله إرثاً حضارياً متنوعاً تداخلت فيه التأثيرات الأمازيغية والعربية والإسلامية والأندلسية، إلى جانب تاريخ طويل من المقاومة والصمود، لتتحول البلوزة إلى رمز يحفظ العادات والتقاليد ويجسد خصوصية وهران الفنية والتاريخية.
لمعرفة تاريخ هذا الزي وأسرار صناعته وتطوره، التقت وكالتنا مع مدربة الخياطة والتفصيل الدولية نجاة مزاغشة، التي ترى أن البلوزة الوهرانية ليست مجرد قطعة من القماش، وإنما تعبير حي عن الكبرياء والهوية الجزائرية. وتوضح أن تاريخها الحديث يرتبط بعام 1830، فيما تمتد جذورها، بحسب روايتها، إلى القرن السادس عشر، مؤكدة أن كل غرزة وتفصيل في هذا اللباس يحمل جانباً من ذاكرة متوارثة تسعى الحرفيات إلى إبقائها حية.
جذور تاريخية متعددة
تحمل البلوزة الوهرانية في تصميمها آثار التعدد الحضاري الذي عرفته المنطقة، مع حضور واضح للتأثير الأندلسي. وتقول نجاة مزاغشة إنها عندما تعمل على نسج البلوزة تشعر بأنها تستحضر إرث الحرفيين الأندلسيين الذين استقروا في مدن المنطقة، مشيرة إلى أن هذا الزي مر بتحولات عديدة عبر الزمن.
وتوضح أن البلوزة كانت في مراحلها الأولى أقرب إلى القندورة والعباءة الواسعة، قبل أن تتطور تصاميمها لتتلاءم مع متطلبات العصر، مع الحفاظ على عناصرها الأساسية، وفي مقدمتها التطريز بالخيوط الذهبية والزخارف التي تمنحها طابعها المميز.
وترتبط البلوزة الوهرانية ارتباطاً وثيقاً بمدينة وهران كما أشارت، حيث أسهمت الأحياء القديمة، ومنها الدرب والكمين، في نشأة هذا الموروث وتطوره عبر الزمن. أما اليوم، فتبرز المدينة الجديدة باعتبارها مركزاً مهماً لصناعة هذا اللباس وتسويقه، إذ تنتشر فيها ورش الخياطة ومحال الأقمشة، وتلتقي فيها الحرفية التقليدية مع التصاميم الحديثة.
وفي الأزقة الممتدة من ساحة الطحاحة عبر شارع غوتي عبد القادر وصولاً إلى شارع مزوار محمد، تتجاور ورش الخياطة التقليدية مع المحال المتخصصة في الأقمشة والتطريز. وتتحول هذه الورش إلى فضاءات تحفظ تفاصيل الحرفة، حيث تعمل الخياطات على نقل خبرات الأجيال السابقة إلى المصممات الشابات، مستخدمات في الوقت نفسه أدوات حديثة وتقنيات تقليدية.
وهكذا لا تقتصر هذه المحال على بيع الأقمشة والفساتين، بل تشكل مساحة حية لاستمرار الموروث، إذ يحكي كل تصميم ساعات من العمل اليدوي والتطريز الدقيق، فيما تتواصل خبرة الجدات مع ابتكار الجيل الجديد.
كيف تُصنع البلوزة الوهرانية؟
داخل ورش الخياطة، تبدأ عملية صناعة البلوزة من اختيار القماش وتصميم القطع وتحديد الزخارف والتطريزات المناسبة. وتوضح نجاة مزاغشة أن البلوزة تُصمم طويلة حتى القدمين، مع جزء سفلي مستدير، بينما تختلف نوعية القماش بحسب المناسبة والمستوى الاجتماعي، إذ يمكن استخدام الحرير المطرز أو القطن أو الكتان أو الدانتيل.
أما فتحة الرقبة، كما بينت فقد تأتي بشكل مربع أو على هيئة حرف V، وتُزين بالتطريز أو الترصيع، فيما تختلف الأكمام من حيث الطول والتصميم. كما تُشد البلوزة عند منطقة الصدر، وغالباً ما تُستكمل بحزام يضفي عليها شكلها التقليدي المميز.
وتشير إلى أن الزي الوهراني يتكون عادة من ثلاث أو أربع قطع أساسية، تشمل البلوزة والجلطيطة، وهي اللباس الداخلي، إضافة إلى سروال العرب المعروف محلياً باسم سروال جانب التستيفة النسوية، ويبلغ عرض هذه الأخيرة نحو متر ونصف، ويمكن أن تُصنع من أقمشة حريرية مثل الساتان أو الكريب.
وبين الخيط الذهبي والتطريز اليدوي، تواصل البلوزة الوهرانية رحلتها عبر الأجيال، محافظة على حضورها كقطعة من التراث الجزائري، وفي الوقت نفسه تتكيف مع الذوق المعاصر دون أن تفقد ملامحها التاريخية.
أبعاد اجتماعية وتسميات تراثية
تتعدد أسماء البلوزة الوهرانية وأنماطها تبعاً لتفاصيل خياطتها وزخارفها، إذ يحمل كل نمط منها حكاية خاصة ويعكس جانباً من الهوية الثقافية للمرأة الجزائرية. وتوضح نجاة مزاغشة أن بلوزة "الكرسي" كانت من أكثر الأنماط انتشاراً لدى العروس الجزائرية، إلى جانب بلوزة "الزعيم" المعروفة حالياً ببلوزة "الساري" المرصع، والتي احتلت مكانة بارزة في تقاليد الخياطة بوهران، ولا تزال تحافظ على حضورها في مشهد الأزياء التقليدية الجزئراية.
أما تسمية "بلوزة الزعيم"، فتعود، بحسب نجاة مزاغشة، إلى كثافة التطريز والزخارف التي تزينها، والتي تُعرف بـ "التعميرات"، وتستخدم فيها أنواع متعددة من الأحجار الزخرفية الفاخرة، مثل "المور" والكريستال وغيرها، ما يمنحها مظهراً مهيباً وجميلاً.
ولم تكن المرأة الجزائرية ترتدي هذه الأزياء بصورة عشوائية، بل ارتبط كل نوع منها بمرحلة عمرية أو مناسبة اجتماعية محددة كما بينت، فالألوان والزخارف والأحجار كانت تُختار بعناية لتنسجم مع طقوس الفرح ومظاهر الاحتفال، أو لتعكس الوقار في المناسبات الحزينة، بما يجعل اللباس التقليدي جزءاً من منظومة اجتماعية وثقافية متكاملة.
ومن أبرز أنماط البلوزة الوهرانية "بلوزة الكرسي" و "بلوزة الكبارات" التي كانت مخصصة للنساء المتقدمات في السن، كالأمهات والجدات وكبيرات العائلة، إلى جانب "بلوزة الوقر" التي ترتدي في مناسبات العزاء وفترات الحداد، وتتميز عادة بأقمشة ذات ألوان داكنة ورصينة، مثل البني والرمادي والأسود.
وفي إطار تثمين هذا الموروث الثقافي، أودعت الجزائر طلباً لدى منظمة اليونسكو لتسجيل "البلوزة الوهرانية" بمختلف أنماطها ضمن التراث الثقافي الجزائري. ويعكس هذا المسعى أهمية هذا اللباس في الذاكرة الجماعية للجزائريين، باعتباره أكثر من مجرد زي تقليدي؛ فهو سجل حي للعادات والطقوس التي تناقلتها الأمهات والجدات عبر الأجيال. وبزخارفه وألوانه وخيوطه الذهبية، تواصل البلوزة الوهرانية حضورها بوصفها رمزاً للأناقة والهوية وثراء التراث الجزائري.