تصاعد الصراع الإقليمي يعمق عسكرة شرق كردستان ويكشف هشاشة الداخل الإيراني

مع ازدياد التوتر العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، كثفت طهران هجماتها على إقليم كردستان وقواعد الأحزاب الكردية في شرق كردستان، في محاولة لإيصال رسائل سياسية وعسكرية لخصومها وتعزيز الضغط الأمني داخل الإقليم.

هيفي صلاح

السليمانية ـ دخلت العلاقات بين إيران وإسرائيل مرحلة خطيرة بعد الهجمات المباشرة الأخيرة بينهما، كما أن الولايات المتحدة، عبر إرسال مزيد من القوات إلى المنطقة، وجهت رسالة شديدة اللهجة إلى طهران، ومن جهة أخرى، يعيش شرق كردستان، الذي كان دائماً مركزاً للاحتجاجات، تحت ضغوط اقتصادية وأمنية كبيرة، حيث أن أي توتر دولي ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان.

تمر إيران حالياً بمرحلة حساسة، إذ تواجه قيادتها تهديدات إسرائيلية مقرونة بوعود برد قاسٍ، وفي الوقت نفسه تضيق العقوبات الأمريكية الخناق على اقتصادها، وفي شرق كردستان، انتشرت القوات الأمنية بشكل ملحوظ في مدن مثل سنه ومهاباد وكرمانشاه، مع تشديد الرقابة على النشطاء، خوفاً من أن تؤدي أي هجمات خارجية إلى اندلاع احتجاجات واسعة، كما أن الاشتباكات المتقطعة على الحدود وتحليق الطائرات المسيرة تسببا في حالة من القلق النفسي لدى السكان، إضافة إلى الارتفاع السريع في أسعار السلع، ما أدى إلى حالة من الاستياء العميق بين المواطنين، الذين يترقبون نتائج الصراع بين طهران وواشنطن وتل أبيب وتأثيراته على مستقبل المنطقة.

وفي إطار الاتفاقيات الأمنية مع بغداد، تواصل طهران الضغط من أجل تفكيك معسكرات الأحزاب الكردية في شرق كردستان، ونقلها إلى مناطق نائية، وتتزامن هذه الخطوات مع زيادة الجاهزية العسكرية الأمريكية في قواعد عين الأسد وحرير، إضافة إلى التهديدات الإسرائيلية بضرب المنشآت النووية والنفطية داخل إيران، ما دفع طهران إلى استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الصراعات.

وتشير أحدث المعلومات إلى أن إيران جهزت صواريخ من طراز "فاتح" في محافظتي كرمانشاه وأورمية لاستهداف أي تحرك للأحزاب الكردية أو أي موقع أمني في إقليم كردستان يُشتبه في نشاطه الاستخباراتي، وهذه التحركات العسكرية لا تقتصر على الخارج، بل أُعلنت حالة غير طبيعية داخل مدن شرق كردستان مثل سنه وسقز وبانه، حيث تحلق طائرات الاستطلاع في سماء هذه المدن.

وتدرك السلطات الإيرانية أن الأحزاب الكردية تمتلك قاعدة جماهيرية قوية، وقد تتمكن من تحريك الشارع في حال وقوع أي هجوم من إسرائيل أو الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، وصلت الحرب الباردة بين طهران وواشنطن عبر الجماعات الوكيلة إلى مستوى قد يجعل إقليم كردستان أول ضحية لأي مواجهة مباشرة.

كما أن غياب الاستقرار الاقتصادي والانخفاض التاريخي في قيمة العملة أديا إلى تصاعد الاحتجاجات الداخلية، وتسعى طهران، من خلال استهداف إقليم كردستان والأحزاب المعارضة، إلى صرف انتباه الرأي العام عن أزماتها الداخلية وفرض حالة من التوتر العسكري في المنطقة، وهي حالة لا يُعرف متى وكيف ستنتهي.


"في انتفاضة Jin Jiyan Azadî تم عسكرة شرق كردستان بالكامل"

وقالت الصحفية والناشطة في مجال حقوق الإنسان من مدينة السليمانية بإقليم كردستان شلير بابير أن الوضع الحالي غير مستقر وغير واضح، وإن اغتيال عدد من الشخصيات الرئيسية في السياسة الإيرانية لن يكون أمراً سهلاً بالنسبة للسلطة، وفي الوقت نفسه، ومنذ وصول النظام الإيراني إلى السلطة، كانت هناك دائماً خلافات بين أجنحته المختلفة، من الإصلاحيين إلى المتشددين، وحتى الآن مع الحديث عن خلافة علي خامنئي، حيث كان يُقال سابقاً إن ابنه مجتبى خامنئي قد تم إعداده بطريقة ما ليكون خليفة لوالده، فإن هذا قد يشكل مصدر خيبة أمل لأولئك الذين كانوا يطمحون لقيادة إيران بعد خامنئي، وقد يؤدي وجود مجتبى خامنئي إلى خلق مزيد من الخلافات وتعميقها، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي داخل إيران، إلى جانب التعقيدات الخارجية.

وأضافت "أعتقد أنه طوال فترة حكم الجمهورية الإسلامية، لم تكن هناك ثقة حقيقية وعميقة بين الشعب والسياسة، وقد تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دائماً من السيطرة على الاحتجاجات من خلال القتل واستخدام الأدوات العسكرية، لكن على المدى الطويل لم تستطع تلبية مطالب الناس فيما يتعلق بالخدمات العامة والمشاركة السياسية والبنية التحتية الاقتصادية، لذلك لا تزال نفس المشكلات قائمة، ولا تزال مطالب الناس واحتجاجاتهم مستمرة، ولا يمكننا القول إن كل إيران كذلك، لكن غالبية الشعب الإيراني اليوم يطالب بإسقاط هذا النظام، غير أن تحقيق ذلك يتطلب وجود قوة خارجية، لأن الاحتجاجات، رغم اتساعها لم تتمكن بمفردها من إسقاط النظام، إذ إن السلطة تستخدم جميع وسائل العنف لإنهائها، بما في ذلك السلاح".

وأشارت محدثتنا إلى أن السلطات الإيرانية تتبع سياسة ممنهجة في هذا الإطار "هذا ما رأيناه خلال انتفاضة Jin Jiyan Azadî، حيث كانت كردستان مُعسكَرة بالكامل، وبعد تلك الانتفاضة، ازدادت عسكرة كردستان بشكل أكبر، مع تصاعد عمليات القمع وازدياد أعداد المعتقلين والمعتقلات، وتراجع الحريات بشكل ملحوظ".

ولفتت إلى أنه في الوقت الحالي، تم نشر العديد من القوات المسلحة على حدود شرق كردستان، كما أن استهداف 252 موقعاً وقاعدة عسكرية للجمهورية الإسلامية في شرق كردستان يدل على مدى عسكرة المنطقة ليكون بإمكان السلطات قمع أي احتجاجات قد تندلع والسيطرة عليها بسهولة وفي أي وقت.


"انقطاع الإنترنت يصعب من الوصول للمعلومات"

وبينت أن انقطاع الإنترنت وغياب وسائل الاتصال يجعل من الصعب معرفة الوضع الحقيقي في شرق كردستان، وكذلك من الصعب "تحديد ما إذا كانت الظروف الحالية مناسبة لتنظيم احتجاجات أم لا"، وبرأيها، فإن الوضع غير واضح؛ فمن جهة هناك حرب، ومن جهة أخرى البنية التحتية الاقتصادية سيئة للغاية، ومن جهة ثالثة أصبح لدى الجمهورية الإسلامية فرص أكبر من السابق لقمع الناس تحت ذريعة أنهم يهددون أمن البلاد، لذلك، فإن "الظروف الحالية ليست مناسبة لاندلاع احتجاجات واسعة".

وأضافت أن القوات الإيرانية منتشرة بشكل واسع في مناطق مثل كرمانشاه وإيلام وأورمية، وأن النظام خلال 47 عاماً من حكمه، أنشأ العديد من القواعد العسكرية في شرق كردستان لتسهيل السيطرة على أي وضع غير مستقر، سواء داخل شرق كردستان أو على الحدود "خلال انتفاضة Jin Jiyan Azadî، شوهد بوضوح نوع الأسلحة التي استُخدمت ضد الناس".

كما أوضحت أن هجمات الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الأحزاب الكردية في شرق كردستان، خارج حدود المنطقة "ليست أمراً جديداً، بل هي سياسة مستمرة" ففي عام 2018، قامت بقصف مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي الوقت نفسه استهدفت قواعد حزب كومله "جمعية عمال شرق كردستان"، وفي عام 2022 تزامناً مع الانتفاضة، قُتل عدد من الأشخاص واستمرت الهجمات.

وبيّنت شلير بابير أن سبب خوف النظام الإيراني من القوى الكردية يعود إلى أنها "قوى منظمة، وتمكنت على مدى سنوات من الوقوف في وجه النظام"، مضيفة "في الوقت الراهن يُعد توحيد القوى الكردية أحد نقاط قوتها، خاصة بعد أن كان النظام يعتبر تشتتها نقطة ضعف. هذه القوى السياسية أصبحت موحّدة وتسعى لتأمين مستقبل الشعب الكردي، خصوصاً في ظل غياب أي فرصة للإصلاح داخل النظام، حيث تطالب بشكل موحد بإسقاطه".

وأشارت إلى أن من أبرز مخاوف النظام، خلال نحو 47 إلى 48 عاماً من حكمه، كانت دائماً شرق كردستان والقوى الكردية، كما ذكّرت بأن من أولى القوانين التي أقرها النظام عام 1979 كان فرض الحجاب الإلزامي، وهو قانون لم يطرأ عليه تغيير جوهري حتى اليوم، رغم بعض التخفيف المؤقت في أوقات معينة، لكن في حال عدم الالتزام به، تواجه النساء العقوبات القانونية "هذه التسهيلات المؤقتة هي جزء من سياسات قصيرة الأمد يلجأ إليها النظام تحت الضغط، لكنها لا تعني تغييراً حقيقياً، إذ إن النظام في جوهره يعارض حرية النساء".


"استهداف المدنيين والمرضى في إقليم كردستان"

وأشارت إلى أن الوضع يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، فمن جهة تقول الولايات المتحدة إنها ترغب في التفاوض وقد طرحت مطالبها، ومن جهة أخرى أعلن وزير الخارجية الإيراني أنه لا توجد مفاوضات مباشرة، بل مجرد تبادل رسائل عبر وسطاء، وهو ما يرفضه النظام الإيراني "إيران من جهة تطالب بالتفاوض، بينما تواصل إسرائيل هجماتها على القواعد العسكرية، عندما يتعلق الأمر بالمفاوضات، فإن أحد الأطراف غالباً ما يرفض، بعض الدول العربية قد تسعى لاحتواء الحرب، لكنها في الوقت ذاته تدعم الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصةً في ظل هجمات الجماعات المرتبطة بإيران في العراق على دول الجوار، مما يزيد الوضع تعقيداً".

وأكدت أن المشهد شديد التعقيد ومتغير بشكل يومي، ومن الصعب التنبؤ بما إذا كانت إيران وإسرائيل ستصلان إلى اتفاق، أو ما هي طبيعة المفاوضات ومطالبها "هل تقتصر على وقف البرنامج النووي، أم تشمل تغيير النظام بالكامل؟".

واختتمت الصحفية والناشطة في مجال حقوق الإنسان شلير بابير حديثها بالقول إن إيران تعتبر إسرائيل عدواً تاريخياً، فيما ترى إسرائيل في إيران تهديداً لوجودها في الشرق الأوسط "بينما تستهدف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية غالباً المواقع العسكرية، فإن إيران، على العكس، تستهدف في بعض هجماتها سواء على إسرائيل أو على القوى الكردية في إقليم كردستان المدنيين وحتى المرضى".