سياسية مغربية: تعزيز حضور النساء في مواقع القرار يبدأ بالكفاءة والتدرج في العمل السياسي

ترى السياسية المغربية نادية عنيبات، أن تطور مشاركة النساء في الحياة السياسية بالمغرب لا ينبغي أن يقاس فقط بارتفاع عدد المنتخبات، بل بمدى قدرة الكفاءات النسائية على الوصول إلى مواقع القرار بعد مسار يقوم على التدرج والخبرة والعمل الميداني.

حنان حارت

المغرب ـ يشهد حضور المرأة في الحياة السياسية المغربية تطوراً متواصلاً، مدفوعاً بإصلاحات ومكتسبات عززت مشاركتها في تدبير الشأن العام. غير أن هذا المسار لا يزال يطرح تحديات ورهانات ترتبط بترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتعزيز وصول النساء إلى مواقع المسؤولية وصنع القرار.

في الحوار التالي، تستعرض السياسية نادية عنيبات تجربتها الممتدة منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وتتحدث عن أبرز التحديات التي واجهتها كامرأة مغربية في العمل السياسي، كما تقدم رؤيتها لتعزيز حضور النساء في مواقع القرار، مؤكدة أن الرهان الحقيقي يكمن بالاستثمار في الكفاءة وجودة الأداء.

 

كامرأة، ومن خلال تجربتكِ، ما أبرز الصعوبات التي واجهتك خلال مسارك السياسي؟

بدأت مساري السياسي سنة 1997، عندما كنت طالبة، ثم واصلت التدرج في المسؤوليات الحزبية إلى أن أصبحت من بين مؤسسي حزب الأصالة والمعاصرة بمنطقة الحي الحسني في مدينة الدار البيضاء، وقد منحتني هذه التجربة فرصة التواصل المباشر بمختلف مراحل العمل السياسي، لكنها لم تخل من التحديات.

من أبرز الصعوبات التي واجهتها استمرار بعض العقليات الذكورية التي لا تزال تنظر إلى مشاركة المرأة في الحياة السياسية بوصفها استثناء، وهو ما يجعل وصول النساء إلى مواقع القرار أكثر تعقيداً.

ففي بعض المراحل، لم تكن الفرص متاحة أمام النساء بالقدر نفسه الذي كانت متاحة فيه للرجال، الأمر الذي فرض علينا بذل جهود مضاعفة لإثبات الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.

ورغم ذلك، كنت مؤمنة بأن العمل السياسي يقوم على المثابرة والالتزام، وأن المرأة التي تختار هذا المسار يجب أن تدافع عن قناعاتها، وأن تكون وفية لثقة النساء والمواطنين الذين وضعوا آمالهم فيها، من خلال العمل الميداني والإنصات لقضاياهم والمساهمة في إيجاد حلول لها.

 

اليوم لم يعد النقاش في المغرب يقتصر على مشاركة النساء في السياسة، بل أصبح يركز على حضورهن في مواقع القيادة وصنع القرار، كيف يمكن تعزيز هذا الحضور؟

أعتقد أن تعزيز حضور النساء في مواقع القرار يبدأ بجودة الاختيار، فالعمل السياسي ليس مجرد تمثيلية عددية، بل مسؤولية تتطلب الكفاءة والخبرة والقدرة على تدبير الشأن العام.

ومن هذا المنطلق، أؤمن بأهمية التدرج في المسؤوليات السياسية، لأن التجربة التي تكتسبها المرأة على المستوى المحلي تمنحها معرفة أعمق بقضايا المواطنين وبآليات عمل المؤسسات المنتخبة، وهو ما يؤهلها لاحقاً لتحمل مسؤوليات أكبر على المستويين الجهوي والوطني.

لذلك، لا يكفي أن نطالب بزيادة عدد النساء في مواقع القرار، بل يجب أن نحرص على أن تكون المرأة التي تصل إلى هذه المواقع قد راكمت تجربة سياسية، وتمتلك وعيا بالشأن العام، وقادرة على الإسهام في صناعة القرار وخدمة المواطنين بكفاءة ومسؤولية.

 

هل تحظى النساء بنفس الدعم الذي يحظى به الرجال خلال التزكيات والحملات الانتخابية؟

لا يمكن القول إن النساء يحظين دائماً بمستوى الدعم نفسه الذي يحظى به الرجال، فما زالت هناك، في بعض الحالات، أشكال من المحاباة تؤثر في فرصهن خلال مرحلة التزكيات أو أثناء الحملات الانتخابية.

ولهذا أرى أن معيار الاختيار يجب أن يكون الكفاءة والخبرة السياسية، وأن تمنح الفرصة للنساء اللواتي راكمن تجربة حقيقية في العمل الحزبي والميداني.

كما أؤمن بأن النساء مدعوات إلى دعم بعضهن بعضاً، لأننا نلاحظ أحياناً أن المنافسة بين النساء تتحول إلى عائق أمام تعزيز حضورهن في مواقع القرار، وإذا أردنا تقوية التمثيلية النسائية، فلا بد من ترسيخ ثقافة التضامن، وإعطاء الأولوية للكفاءة والقدرة على خدمة الصالح العام.

والسياسة، في نظري، ليست وسيلة للوصول إلى المنصب، بل مسؤولية تقتضي الإنصات للمواطنين والعمل على معالجة قضاياهم. وأستعير هنا تعبيراً من مهنتي كطبيبة؛ فالعمل السياسي يحتاج إلى "تطبيب سياسي"، أي إلى تشخيص دقيق لمشكلات المجتمع، ثم السعي إلى معالجتها بروح من المسؤولية والرحمة والقرب من المواطنين.

وعندما تنجح المرأة في إحداث هذا التغيير، فإنها تقدم نموذج إيجابي يعزز الثقة في قدرة النساء على تدبير الشأن العام، ويشجع مزيداً من النساء والشباب على الانخراط في الحياة السياسية.

 

شهدت المشاركة السياسية للنساء في المغرب تطوراً ملحوظاً، إذ انتقل عدد البرلمانيات من غياب شبه كامل قبل سنة 1993 إلى 96 نائبة بعد انتخابات 2021، كيف تقيمين هذا المسار، وما الرهان المطروح في الاستحقاقات المقبلة؟

لا شك أن هذا التطور يعكس تقدم مهم في مسار تعزيز المشاركة السياسية للمرأة المغربية، وهو ثمرة سنوات من العمل والتراكم، ومع ذلك، ما زال أمامنا الكثير لتحقيق تمثيلية تعكس مكانة المرأة وقدراتها.

وأتطلع إلى أن يرتفع عدد النساء داخل البرلمان إلى ما لا يقل عن 120 نائبة خلال الاستحقاقات المقبلة، لكن هذا الهدف يجب أن يقترن بجودة التمثيلية. فالأهم هو أن تصل إلى المؤسسات المنتخبة نساء يمتلكن الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية.

ولتحقيق ذلك، أرى أنه من الضروري الاستثمار في تدريب النساء، خاصة على المستويين المحلي والجهوي، لأن التدرج في المسؤوليات يساهم في بناء تجربة سياسية متينة ويؤهل المرأة لتولي مهام أكبر.

كما أن مسؤولية الناخب لا تقل أهمية، لأن التصويت لمرشح أو مرشحة هو اختيار يمتد لخمس سنوات، ولذلك ينبغي أن يقوم على الثقة في الكفاءة والبرنامج والقدرة على خدمة المواطنين، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى، فالمرحلة المقبلة تتطلب طموحاً وإرادة حقيقية لإحداث تغيير إيجابي يعزز حضور النساء في مواقع القرار ويخدم التنمية.

 

ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الفتيات والنساء الراغبات في خوض غمار العمل السياسي والترشح خلال الاستحقاقات المقبلة؟

نعيش اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وهو ما يفرض على النساء تطوير معارفهن ومهاراتهن باستمرار، والاستفادة من كل الفرص المتاحة للتدريب واكتساب الخبرة، كما أدعوهن إلى عدم الالتفات إلى كل الآراء السلبية التي يتم تداولها عبر وسائل التواصل إذا كان هدفها التقليل من قدراتهن أو إحباط طموحاتهن.

وأقول لكل امرأة تطمح إلى العمل السياسي: ثقي بنفسك، وحددي أهدافك بوضوح، ولا تترددي في تحمل المسؤولية إذا كنت تؤمنين بقدرتك على خدمة المواطنين، فالعمل السياسي يحتاج إلى الطموح والإرادة، لكنه يحتاج أيضاً إلى الصبر والالتزام والاستعداد للتعلم المستمر.

وأعتقد أن المرأة المغربية أصبحت اليوم تملك فرص أكبر للمشاركة في تدبير الشأن العام، في ظل التوجيهات الملكية الداعمة لتعزيز تمثيلية النساء في مختلف مواقع المسؤولية، غير أن هذه الفرص لن تحقق أثرها إلا إذا اقترنت بالكفاءة والتدرج في العمل السياسي. وأتمنى أن تحظى النساء اللواتي راكمن تجربة حقيقية بالثقة والدعم، لأن جودة التمثيلية هي التي تصنع الفارق وتخدم مصلحة المجتمع.