قمع بلا حدود ومقاومة بلا توقف... احتجاجات شعبية ونظام في طريقه إلى السقوط
في وقتٍ تحولت فيه احتجاجات شهر كانون الثاني/يناير إلى واحدة من أوسع الانتفاضات في السنوات الأخيرة، حاولت السلطات الإيرانية الحفاظ على السيطرة عبر قمع دموي، ثم ملاحقة المتظاهرين وتحديد هوياتهم؛ وهي عملية لم تتوقف حتى في ظل أجواء الحرب.
سارة بورخزري
كرماشان ـ يمكن اعتبار شتاء 2025 ـ 2026 أحد أهم مراحل المواجهة بين السلطة وبداية تراجع نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ففي شهر كانون الثاني/يناير، سعى النظام إلى استعراض قوته وبث الرعب، فقمع عشرات الآلاف من المتظاهرين وقتلهم بشكل غير مسبوق، ليُظهر للناجين أنه لن يتردد في ارتكاب أي جريمة للبقاء في السلطة، وأنه لا يرى في الاحتجاجات الشعبية تهديداً حقيقياً له.
بعد هذه المجزرة الواسعة، ومع اعتماده مجدداً على العنف، حاول النظام تعقّب المتظاهرين الذين نجوا من آلة القمع وتصفيتهم، ولهذا، وقبل اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، كانت هناك موجة واسعة من الاعتقالات والملاحقات.
لكن نقطة التحول جاءت في شهر آذار/مارس، حين واجه النظام الذي كان يعتقد نفسه قوياً بعد ما حدث في كانون الثاني/يناير ضربات قاسية، تمثلت في مقتل علي خامنئي وعدد من الشخصيات الرئيسية في بنية السلطة؛ وهو حدث وضع أسس النظام، الذي كان قد ترسخ حديثاً على دماء آلاف الأشخاص، على حافة الانهيار.
ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا الشعور بالتراجع إلى توقف القمع، بل استمرت أعمال العنف، وهنا تبرز أهمية التطرق إلى مجازر كانون الثاني/يناير، التي لم تنتهِ تداعياتها بالنسبة للنظام حتى الآن.
المراقبة والتعرّف على الهويات وانتهاك الخصوصية
خلال الاحتجاجات، استخدمت القوات العسكرية طائرات مسيّرة وكاميرات المراقبة في المدن وأنظمة رقابية متقدمة للتعرّف على الوجوه، لكن مصادر محلية أفادت بأن السلطات لم تكتفِ بهذه الوسائل، بل بذلت جهوداً واسعة للوصول إلى تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالمنازل والمحلات التجارية؛ بهدف تحديد هوية قادة الاحتجاجات، وكذلك التعرف على المنازل التي قدّمت مأوى للمتظاهرين، ويُظهر ذلك أن السلطة لم تكتفِ بالسيطرة على الشارع، بل حوّلت حتى الحياة الخاصة للمواطنين إلى ساحة للقمع.
استمرار القمع في ظل الحرب
مع اندلاع الحرب وانشغال السلطات بجبهة أخرى، كان من المتوقع أن تتوقف عمليات ملاحقة واعتقال المتظاهرين، إلا أن السلطات، عبر اتهام المحتجين بالتجسس وربطهم بتطورات الحرب، صعّدت من وتيرة الاعتقالات، وحتى الآن، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء الاحتجاجات، ورغم اتساع نطاق المواجهة بين إيران وإسرائيل وإمريكا، لا تزال عمليات التعقب مستمرة.
ضغط منهجي على المواطنين وإلغاء أي مساحة آمنة
لم يقتصر القمع على ملاحقة المشاركين في الشوارع، بل أفاد العديد من المواطنين بأن القوات الأمنية مارست التهديد والضغط، بل وحتى الاعتقال بحق أصحاب المحلات والمباني، لإجبارهم على تسليم تسجيلات كاميراتهم، وفي بعض المناطق، دخلت القوات الأمنية إلى المباني دون أوامر قضائية وصادرت أجهزة التخزين.
ويعكس هذا السلوك أن النظام تجاوز كل الحدود في سبيل السيطرة على الاحتجاجات، ولم يترك أي مساحة آمنة للمواطنين، خاصة في ظل اعتقاده بأن الحرب قد تدفع المحتجين للعودة إلى الشوارع، ما دفعه إلى الاستمرار في الاعتقالات وعمليات الإعدام.
لكن في مواجهة هذا القمع المنظم، ظهرت أشكال جديدة من المقاومة المدنية، فقد قام العديد من المواطنين بإطفاء كاميراتهم أو حذف تسجيلاتها لمنع التعرف على المتظاهرين، وحافظوا، رغم ظروف الحرب، على نوع من التضامن الاجتماعي لمنع كشف هويات المحتجين.
هذا التضامن، الذي وُلد من الخوف والقمع، يُعدّ أحد أهم ركائز استمرار الاحتجاجات بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر، وقد أدرك الشعب أن استمرار الحراك في ظل الحرب لا يعتمد فقط على التظاهر في الشوارع، بل أيضاً على بناء شبكات دعم صغيرة لكنها واسعة، تقوم على الحماية المتبادلة، وتبادل المعلومات، والحفاظ على الروايات الحقيقية.
وهذه الشبكات الشعبية هي التي حالت دون فرض الرواية الرسمية، التي تصف المحتجين بأنهم عملاء أو مرتبطون بأطراف خارجية، ومنعت طمس الحقيقة.
رواية من الداخل: دور الغرف التجارية في احتواء الاحتجاجات
تقول شرارة. ن وهي موظفة في غرفة التجارة في كرماشان أنه "منذ الأيام الأولى للاحتجاجات، عقدت الغرفة اجتماعات متعددة مع رؤساء النقابات المختلفة، في محاولة للضغط على التجار ومنعهم من الاستمرار في الإضراب أو الانضمام إليه، وفي العديد من هذه الاجتماعات، كان رئيس الغرفة يصرّح بشكل مباشر بأن أي متجر يُغلق سيواجه إلغاء رخصته وفرض غرامات مالية كبيرة، لكن مع اتساع نطاق الإضراب وانضمام معظم التجار إليه، لجأت الغرفة إلى أسلوب آخر، وهو ممارسة ضغط مباشر على رؤساء النقابات للتعاون مع الأجهزة الأمنية في تحديد هوية من بدأوا الإضراب".
تم إلزام رؤساء النقابات بتقديم أسماء الأشخاص الذين كان لهم دور محوري في تنسيق الإضراب إلى غرفة النقابات. إضافة إلى ذلك، طُلب منهم تسليم ذاكرة كاميرات المراقبة داخل المحلات والكاميرات المطلة على الشارع إلى الأجهزة الأمنية، وفي كثير من الحالات، كانت القوات الأمنية تقتحم بشكل مفاجئ المحلات الواقعة على الشوارع الرئيسية، وتقوم بمصادرة الكاميرات دون أي توضيح.
النقابات المهنية في خدمة المنظومة الأمنية
تقدم رواية شرارة. ن صورة واضحة عن تحول مؤسسة نقابية إلى أداة تنفيذية بيد الأجهزة الأمنية؛ وهي ظاهرة شوهدت في العديد من المدن الإيرانية خلال الاحتجاجات الأخيرة فغرفة النقابات، التي يُفترض أن تكون في البنية الرسمية وسيطاً بين السلطات وأصحاب المحلات، ابتعدت تدريجياً عن دورها الداعم، وتحولت إلى ذراع رقابية وتحكمية بيد السلطة.
هذا التحول يبيّن أن المؤسسات النقابية في إيران لا تمتلك استقلالاً فعلياً، وأنها تُدمج في المنظومة الأمنية كلما رأت السلطة ذلك ضرورياً، خاصة في ظل الوضع الحالي الذي يمر فيه النظام بأزمة سياسية ويخشى اتساع رقعة الاحتجاجات بالتزامن مع الضغوط الخارجية، ويمكن القول إن السلطة تستخدم كل الوسائل الممكنة لفرض منطق القمع من أجل ضمان بقائها.
وتضيف شرارة. ن "لم تقتصر هذه الضغوط على التهديدات الإدارية، بل اتخذت تدريجياً طابعاً أمنياً وشرطياً؛ مكالمات متكررة وتهديدات من غرفة النقابات وجهاز الاستخبارات لإجبار أصحاب المحلات على فتحها، وتهديد بإغلاق طويل الأمد للمحلات التي بقيت مغلقة ليوم واحد أكثر من غيرها، واستدعاء ليلي لبعض التجار إلى الأماكن العامة لتوجيه تذکرات كانت عملياً تحقيقاً وتهديداً".
النظام في مأزق البقاء
ويوضح حديث شرارة. ن أن السلطة تخشى الاحتجاجات أكثر بكثير مما يظهر علناً، ولذلك وحتى في ظل انشغالها بصراعات خارجية، لم تتوقف عن القمع الداخلي أو عن ملاحقة المتظاهرين، بل تسعى عبر الضغط على التجار والمؤسسات المحلية إلى تفكيك شبكات الاحتجاج بسرعة.
وفي النتيجة يعكس هذا الوضع نظاماً يعيش أزمة بقاء، يعتقد أن الطريق الوحيد للحفاظ على سلطته يمر عبر توسيع دائرة الاعتقالات والقمع الدموي.