نحو دستور شامل... تمكين المرأة وحماية دورها في صنع القرار السوري

تثبيت حقوق المرأة في الدستور السوري القادم، خطوة أساسية لضمان استمرار مكتسبات النساء السورية، وتعزيز مشاركتهن الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وحماية المجتمع من العودة إلى القيود التقليدية القديمة.

أسماء محمد

قامشلو ـ أكدت عبير حساف عضوة مجلس المرأة في مقاطعة الجزيزة، أن إدراج حقوق المرأة بشكل واضح وفعال في الدستور السوري ليس مجرد مطلب رمزي، بل يمثل شرطاً أساسياً لحماية المكتسبات السابقة وضمان استمرار مشاركتها الفاعلة في صناعة مستقبل البلاد.

في ظل التحولات التي تشهدها سوريا منذ سنوات، يبرز التساؤل حول مكانة المرأة السورية في الدستور القادم كأحد الملفات الأساسية التي تحدد مستقبل المجتمع برمته، فالمرأة التي طالما كانت جزءاً فاعلاً وحيوياً في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، باتت اليوم قوة لا يمكن تجاهلها، ويزداد حضورها في ميادين النشاط المدني والسياسي والاقتصادي على حد سواء.

ومع ذلك، هناك قوى سياسية تقليدية ومركزية تتشبث بالموروثات القديمة القائمة على الهياكل الدينية والاجتماعية المحافظة، تظهر تخوفها من تمكين المرأة، وتسعى للحد من حضورها في مواقع صنع القرار، أو إعادة تحديد دورها ضمن قيود تقليدية تعود بها إلى أدوارها النمطية السابقة.

 

واقع المرأة والموروث الثقافي

في هذا الإطار، أكدت عبير حساف عضوة مجلس المرأة في مقاطعة الجزيرة أن إدراج حقوق المرأة بشكل واضح وفعال في الدستور السوري القادم ليس مجرد مطلب رمزي، بل يمثل شرطاً أساسياً لحماية مكتسبات السنوات الماضية، وضمان استمرار دور المرأة الفاعل في صياغة مستقبل سوريا السياسي والاجتماعي، وأن هذا الملف يتجاوز المطالب الفردية، إذ يتعلق بقدرة المجتمع السوري كله على تحقيق العدالة والمساواة والاستقرار الاجتماعي.

وقالت إن الموروث الثقافي في سوريا، رغم اعترافه بدور المرأة، إلا أن هذا الدور كان دائماً مقيداً ومرهوناً برؤى محددة غالباً ما استمدت شرعيتها من السلطة الدينية التقليدية، مضيفة أن القوى السياسية الحالية، بما فيها الحكومة السورية المؤقتة، تتبنى رؤية ذات خلفية دينية، تعتمد على الإسلام كمصدر للإعلان الدستوري، وهو ما يهدد بإبعاد المرأة عن مواقع القرار، أو إعادة تقييدها ضمن حدودها التقليدية، متجاوزة بذلك أربعة عشر عاماً من المكاسب التي حققتها المرأة السورية في شتى المجالات.

وبينت أن هذه المرحلة شهدت صعود المرأة السورية كفاعل نشط، وارتفع صوتها في المجتمع، إلا أن هناك من يسعى اليوم إلى تقليص هذا الدور وإعادتها إلى الحدود التقليدية السابقة، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لمستوى مشاركتها وفاعليتها المجتمعية، مشيرة إلى أن إدراك هذه المخاطر يجب أن يقودنا إلى العمل الجماعي والمشترك لضمان عدم تراجع المرأة عن المكتسبات التي تحققت بجهود طويلة، ولتأكيد أن الحقوق النسائية ليست امتيازاً، بل جزءاً لا يتجزأ من البناء الاجتماعي والسياسي المستقبلي في سوريا.

وأكدت أن إدراج حقوق المرأة في الدستور السوري القادم ضرورة ملحة، ليس فقط لضمان استمرار مكتسباتها، بل أيضاً لتحديد دور فعال وواضح للمرأة في المستقبل السياسي للبلاد، لافتة إلى أن الحقوق النسائية، حتى وإن كانت موجودة في الدساتير السابقة، لم تكن فاعلة عملياً بسبب غياب المرأة عن المراكز العليا وصنع القرار، وتجاوزها من قبل السلطة السياسية التقليدية.

وأوضحت أن نسبة النساء في البرلمان السوري، حتى في أفضل الفترات لم تتجاوز 12% فقط، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بالنشاط النسوي الفعلي وحجم مشاركة النساء في المجتمع خلال السنوات الأخيرة، مؤكدة أن هذا الفارق يوضح الحاجة الملحة لتعزيز التمثيل النسائي في جميع مستويات صنع القرار، لضمان تطبيق الحقوق بشكل فعلي وعملي.

 

تجربة روج آفا نموذجاً حياً

التجربة في روج تعد نموذجاً حياً على مشاركة المرأة في صنع القرار، حيث أكدت أن المرأة لعبت دوراً ريادياً وفعالاً في جميع المستويات، من إدارة المجالس المحلية وصنع السياسات العامة، إلى إدارة الخدمات وتطوير البنية التحتية المحلية "المرأة اليوم قادرة على أن تكون نصف المجتمع بجدارة، وتخوض مختلف ميادين النشاط المدني والسياسي والاقتصادي، ما يجعلها شريكاً أساسياً في رسم خريطة سوريا السياسية والاجتماعية المستقبلية".

وبينت أن القضية النسائية اليوم ليست مرتبطة بمكون قومي أو ديني محدد، بل تمس جميع النساء في سوريا، من كرديات وسريانيات وعربيات "الحقوق النسائية مشتركة ويجب الدفاع عنها بشكل موحد"، مشيرة إلى أن أي محاولة لإعادة المرأة إلى حدودها التقليدية القديمة تشكل تهديداً مباشراً لمكتسبات المجتمع ككل، وأن المرحلة القادمة تتطلب وحدة نسائية مدنية وتكاتفاً جماعياً لضمان استمرار هذه الحقوق وحمايتها من أي تراجع.

وبينت عبير حساف أن المرأة صانعة سلام، وأن إدراج حقوقها بشكل صريح وفعال في مواقع صنع القرار التشريعي والسياسي ليس تهديداً، بل هو الضمان الحقيقي لبناء سلام مستدام، ليس في سوريا فقط، بل على المستوى الإقليمي والدولي.

ولفتت إلى أن مشاركة المرأة في القيادة والسياسة تمثل الأداة الأهم لحماية مكتسباتها، وللتأثير الإيجابي على السياسات العامة، وتحقيق توازن اجتماعي يعكس العدالة والمساواة، مؤكدة أن المرحلة القادمة تتطلب تضافر كل الجهود المدنية والنسائية، وإقامة شبكات داعمة للدفاع عن حقوق المرأة، والعمل على تثبيت هذه الحقوق في دستور سوريا القادم، حتى يكون هذا النص قانونياً وعملياً على حد سواء.

واختتمت عبير حساف حديثها بالتأكيد على أن الحفاظ على المكتسبات النسائية وتثبيت الحقوق في الدستور السوري القادم يمثل أولوية وطنية لا يمكن التهاون فيها، وأن وجود المرأة في مراكز القيادة وصنع القرار هو الضمان الحقيقي لتفعيل هذه الحقوق على الأرض، كما أن المرحلة القادمة تتطلب من جميع النساء، بغض النظر عن المكون أو الموقع، العمل سوية للدفاع عن حقوقهن، وتشكيل جبهة نسوية مدنية قوية تضمن استمرار المكتسبات وتحافظ على دور المرأة الفاعل في المجتمع والسياسة، لتكون شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل سوريا وبناء مجتمع عادل ومتساوي.