ليلى موسى: طريق الاستقرار في سوريا يمر عبر التوافق لا الإقصاء

لم تخرج سوريا بعد من تداعيات حرب طويلة ومركبة، ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

أسماء فتحي

القاهرة ـ بينما كان السوريون يأملون أن تفتح مرحلة ما بعد الحرب أفقاً جديداً نحو الاستقرار وبناء دولة جامعة، جاءت التطورات الأخيرة لتُعيد إنتاج أزمات أعمق، تعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالمشهد السوري الراهن.

شهدت البلاد خلال الأشهر الماضية تحولات متسارعة، غلب عليها طابع التوافقات الإقليمية والدولية أكثر من كونها نتاج مسار وطني توافقي، وهو ما انعكس سلباً على الداخل السوري، وفاقم حالة الاستقطاب والانقسام المجتمعي، في ظل تصاعد خطاب التحريض، واتساع رقعة العنف والانتهاكات، بما يهدد أسس السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي.

وفي هذا السياق المضطرب، تبرز إشكالية غياب الحوار السوري ـ السوري الحقيقي، واستمرار سياسات الإقصاء والتهميش، مقابل هيمنة منطق "اللون الواحد" في إدارة المرحلة المؤقتة، الأمر الذي عمّق أزمة الثقة بين المكونات المختلفة من جهة، وبين هذه المكونات والسلطة الانتقالية من جهة أخرى، وأعاد طرح تساؤلات جوهرية حول شكل الدولة ومستقبل الحكم في سوريا.

في هذا الحوار، تتحدث ليلى موسى، ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية في مصر، إلى وكالتنا، عن قراءتها للمشهد السياسي السوري الراهن، وتداعيات خطاب التحريض على السلم الأهلي، وآفاق الحوار الوطني، وفرص بناء مسار انتقالي يقوم على التشاركية والعدالة والتمثيل العادل لكافة مكونات المجتمع السوري.

 

بعد سنوات الحرب وتداعياتها.. أين يقف الواقع السوري اليوم خصوصاً على المستوى السياسي؟

شهدت سوريا خلال الفترة الأخيرة تطورات ومتغيرات متسارعة للغاية، معظمها جاء نتيجة توافقات إقليمية ودولية أكثر من كونها نتاج توافقات محلية سورية. وكانت كلفة هذه التطورات باهظة جداً على السوريين بشكل عام.

ولعبت قوى داخلية عديدة، من بينها إعلاميون وشخصيات محسوبة على الحكومة الانتقالية، دوراً كبيراً في التحريض، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ضرب النسيج المجتمعي والسلم الأهلي، وما زال هذا الخطاب التحريضي قائماً وبقوة، وقد شاهدنا تداعياته الخطيرة من خلال الإعدامات الميدانية، وعمليات النهب والسرقة، والتمثيل بالجثث، وغيرها من الانتهاكات التي رافقها خطاب تحريضي علني على وسائل التواصل الافتراضي، بل وحتى عبر بعض القنوات الرسمية.

هذا الواقع خلّف أزمة ثقة حقيقية بين مكونات المجتمع السوري من جهة، وبين هذه المكونات والحكومة الانتقالية من جهة أخرى، فقد أصبحنا أمام حالة شرخ عميقة، و"قضية دم" بين الأطياف المختلفة، الأمر الذي هزّ أسس الثقة المجتمعية، وعمّق الانقسامات بشكل خطير.

كما جرى الترويج فهذه السياسات تهدف إلى "بسط سيطرة الحكومة الانتقالية على كامل الجغرافيا السورية"، إلا أن المنطق الذي تم اتباعه لم يكن سليماً، لأن فرض السيطرة بالقوة لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يفاقم الأزمات، فالسيطرة الحقيقية لا تكون إلا بالتوافق، وبالشراكة، وبالحوار، أما الإملاء وفرض الأمر الواقع في ظل أزمة ثقة قائمة، فلا ينتج إلا مزيداً من الترقب والرفض والانقسام.

وبدل أن تؤدي هذه السياسات إلى توحيد السوريين، أسهمت في تعميق الشرخ داخل المجتمع، بل دفعت بعض الأطراف للمطالبة بحق تقرير المصير، كنتيجة مباشرة لهذا النهج الإقصائي.


هناك من يرى أن السلطة الحالية تُغذي هذه النزاعات ولا تفتح المجال أمام مشاركة حقيقية للسوريين في صناعة القرار أو تحقيق تمثيل عادل لمختلف المكونات.. فكيف تقيمين هذا الطرح؟

حتى الآن لا يمكن القول إن هناك حواراً سورياً ـ سورياً حقيقًياً، فما نشهده هو إجراءات ومراسيم تُتخذ من طرف واحد، في ظل تهميش شبه كامل لبقية المكونات السورية.

وصحيح أن هناك شخصيات أو مكونات مشاركة شكلياً في الحكومة الانتقالية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يعبرون عن تطلعات هذه المكونات أو يمثلون رؤيتها الحقيقية لمسار الانتقال السياسي وشكل الحكم في سوريا المستقبل.

واستمرار هذا النهج القائم على "اللون الواحد" يهدد أي إمكانية لبناء دولة ديمقراطية جامعة. ونحن نأمل أن تُشكل الاتفاقية التي تمت مع قوات سوريا الديمقراطية في 29 كانون الثاني نقطة تحول حقيقية، تفتح الباب أمام قفزة نوعية في مسار الحوار الوطني، بحيث يشمل جميع السوريين دون استثناء، ويؤسس لحوار سوري ـ سوري شامل، وصولاً إلى دستور يعبر عن الإرادة الشعبية بكل تنوعها ومكوناتها.


عاشت المرأة السورية تجارب شديدة القسوة خلال سنوات الحرب خصوصاً في المناطق التي خضعت لسلطات الإسلام السياسي.. فكيف تقيمين واقع النساء اليوم في ظل التطورات الأخيرة؟

لا يمكن النظر إلى واقع المرأة السورية ككتلة واحدة، فالتجربة تختلف باختلاف مناطق السيطرة وطبيعة السلطات التي حكمت هذه المناطق، ففي كثير من المدن التي خضعت لهيمنة الإسلام السياسي جرى تبرير العنف ضد النساء باعتباره أمراً طبيعياً ومشروعاً، بل وتحويله إلى منظومة متكاملة من القمع والانتهاكات، شملت الجلد والقتل وفرض أنماط حياة قسرية على النساء، كما رأينا في مناطق سيطرة تنظيم داعش وتنظيم القاعدة وغيرهما.

وبعد الثامن من ديسمبر، لاحظنا وجود توجه لتعميم هذا النموذج على كامل الجغرافيا السورية، من خلال فرض أنماط محددة على النساء، سواء في الملبس أو السلوك أو حتى في تفاصيل الحياة اليومية، كمنع وضع مساحيق التجميل أثناء الدوام في بعض المحافظات، أو فرض لباس معين، إلا أن المجتمع السوري، بطبيعته المتنوعة وعمقه الحضاري والتاريخي يرفض هذا النموذج الأحادي، وهناك حالة مقاومة واضحة لهذه السياسات.

وفي المقابل، شهدت مناطق شمال وشرق سوريا تجربة مختلفة نسبياً، فمشاركة المرأة في الحياة العامة والسياسية والاجتماعية أكثر حضوراً، ولذلك رأينا حجم العنف والانتقام الذي تعرضت له النساء هناك خلال الأحداث الأخيرة، سواء من خلال التمثيل بالجثث أو السخرية من المقاتلات أو قطع ضفائرهن أو إلقاء جثثهن من أماكن مرتفعة، في مشاهد صادمة تعكس ذهنية ذكورية متطرفة لا تقبل سوى صورة نمطية واحدة للمرأة.

ورغم كل هذه التحديات، هناك نساء يرفضن هذا الواقع ومصرات على انتزاع دورهن الطبيعي في المجتمع، والمشاركة بقوة في مختلف مفاصل الحياة لكننا لا نستطيع الادعاء بأن الوضع مثالي أو سهل، بل هو مسار طويل يحتاج إلى تضافر الجهود النسوية والمجتمعية لضمان حقوق النساء في الدستور السوري المستقبلي، وبناء بيئة آمنة وعادلة لهن.


تاريخياً كثيراً ما يتم تهميش النساء بمجرد تشكل أي سلطة جديدة... كيف ترين مشاركة المرأة في المرحلة المقبلة؟

لا يمكن الحديث عن مشاركة حقيقية للنساء، لا من حيث الكم ولا من حيث النوع، وأنا شخصياً أركز على المشاركة النوعية أكثر من العددية، لكن حتى على المستوى العددي، عندما يتم تشكيل حكومة كاملة ولا تضم سوى امرأة واحدة، فهذا لا يعكس أي تغيير جوهري في واقع النساء.

وأول خطوة قامت بها الحكومة الجديدة كانت تعيين مديرة لمؤسسة شؤون المرأة، والتي خرجت بتصريحات تؤكد فيها وجود نموذج واحد للمرأة يجب تعميمه، وهو ما أثار موجة غضب واستياء واسعة، خصوصاً في الأوساط النسوية، حتى في اللجان المشرفة على التعيينات، والتي كان من المفترض أن تضم 20% من النساء، لم يتم الالتزام بهذه النسبة.

أما في مجلس الشعب، فعدد النساء لا يتجاوز ست نساء، وهناك حديث عن زيادة تمثيل النساء ضمن قائمة التعيينات الجديدة، لكن هذا لا يعني بالضرورة تغييراً حقيقياً، فالتجربة السابقة أثبتت أن التعيينات لا تخدم قضايا النساء، بل تخدم أجندات السلطة التي تقوم بها.

وقبل عام 2011، كانت نسبة تمثيل النساء في البرلمان السوري من الأعلى عربياً، حيث بلغت 12%، لكنها لم تنعكس إيجابياً على واقع النساء أو على التشريعات، خاصة قوانين الأحوال الشخصية، وهو ما يثبت أن التمكين الحقيقي لا يكون عبر التعيين، بل عبر احترام إرادة النساء وتمكينهن من اختيار ممثلاتهن والتعبير عن قضاياهن بحرية.


بالانتقال إلى ملف اللاجئين.. في تقديرك لماذا لم تتحقق العودة الآمنة التي كانت متوقعة بعد انتهاء الحرب؟

التحولات التي شهدتها سوريا بعد الثامن من كانون الأول لم تكن نابعة من الداخل السوري بقدر ما كانت نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية، وبالتالي لم تُفضِ إلى استقرار حقيقي، صحيح أن النظام تغيّر، لكن لم يحدث تحول ديمقراطي حقيقي، ولم يتحقق التعافي الاقتصادي أو الاجتماعي.

وحتى اليوم، لا تزال أزمة النازحين قائمة، والمخيمات موجودة، والبنية التحتية مدمرة بنسبة تقارب 80%، فيما يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، وربما أكثر بحسب ما نراه من احتجاجات ومعاناة يومية، كما أن الفيضانات الأخيرة كشفت هشاشة الواقع الإنساني، حيث غرقت آلاف الخيام دون وجود حلول بديلة.

فاللاجئ الذي يفكر في العودة يحتاج إلى حد أدنى من الضمانات منها الأمان، العمل، التعليم لأطفاله، والاستقرار المعيشي، وهذه الشروط غير متوفرة حتى الآن، لذلك اقتصرت بعض حالات العودة على لاجئين قادمين من دول تعاني بدورها أزمات خانقة، كما حدث في لبنان مؤخراً، حيث دفعت الظروف القاسية البعض للعودة اضطراراً لا اختياراً.


أخيراً.. هل لدى مجلس سوريا الديمقراطية رؤية مستقبلية لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا؟

لدينا رؤية واضحة، وقد أصدرنا بياناً بهذا الخصوص مؤخراً لكننا نؤكد دائماً أن أي حديث عن الاستقرار أو التنمية أو إعادة الإعمار يبقى بلا معنى ما لم يسبقه انتقال سياسي حقيقي، يقوم على حوار سوري ـ سوري شامل، وصياغة دستور يعكس تطلعات الشعب السوري وتنوع مكوناته.

فقط من خلال هذا المسار يمكن رفع العقوبات، وإعادة بناء العلاقات مع المجتمع الدولي، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار، وتشجيع السوريين في الداخل والخارج على المشاركة في إعادة الإعمار دون هذه الشروط، سيبقى الحديث عن التنمية الاقتصادية مجرد شعارات، لا تمت للواقع بصلة.