خرق الهدنة يهدد وحدة السوريين ويعمق أزمة الثقة مع الحكومة
في وقت تمر فيه سوريا بمرحلة شديدة الحساسية، تتكاثر الدعوات لوقف العنف وترسيخ الاستقرار، إلا أن الواقع الميداني يعكس صورة مغايرة، حيث تتحول الهدن المعلنة في العديد من المناطق إلى اتفاقات هشة لا تصمد أمام الخروقات المتكررة.
روشيل جونيور
السويداء ـ تستمر الحكومة المؤقتة بالالتفاف على الاتفاقيات الموقعة سواء في السويداء أو حيي الشيخ مقصود والأشرفية أو مع قوات سوريا الديمقراطية، وبدل أن تكون حامية لجميع مكونات الشعب السوري وأن تقف على مسافة واحدة من الجميع دون تمييز، إلا أنها ترفع من الخطاب الطائفي عبر إعلامها.
تقول عضوة الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في مدينة السويداء مي الجرماني، إن اقتحام السويداء وما رافقه من مجازر بحق المدنيين شكل صدمة عميقة لأهلها.
ورغم الإعلان عن هدنة ووقف لإطلاق النار عقب تلك الأحداث، إلا أن الخروقات استمرت بشكل متكرر، وأسفرت عن سقوط مدنيين وجرحى، إضافة إلى أضرار جسيمة في الممتلكات، وفي بعض الأحيان باستخدام أسلحة ثقيلة.
وترى أن استمرار خرق الهدنة لا يحقق سوى مزيد من التباعد بين المكونات السورية، محذرةً من أن هذه الانتهاكات تساهم في تخريب النسيج الاجتماعي، وتزرع الخوف وعدم الأمان.
وأكدت مي الجرماني أن هذا الواقع يدفع بعض المكونات إلى طرح مطالب انفصالية، ليس بدافع الرغبة في التقسيم، بل نتيجة الشعور بانعدام الحماية وغياب الثقة بالحكومة.
وتطرقت إلى ما حدث في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، حيث تم توقيع هدنة في العاشر من آذار بين مجلس الحيين والحكومة المؤقتة، إلا أن الأخيرة لم تحترم الاتفاق، ما أدى إلى خروقات وانتهاكات وتهجير عائلات من منازلها، في مشهد يعكس تكرار النمط ذاته في التعامل مع الاتفاقات.
ولفتت إلى الإعلام والتحريض ضد المكونات السورية الذي يحمل المكونات السورية مسؤولية الخروقات، يسهم في تأجيج الكراهية والانقسام، ويعزز الروايات الكاذبة على حساب الحقيقة.
وأكدت أن الحكومة الحقيقية يجب أن تكون حامية لجميع مكونات الشعب السوري، وأن تقف على مسافة واحدة من الجميع دون تمييز "أي مؤسسة عسكرية أو أمنية تقتل المواطنين على أساس الهوية لا يمكن اعتبارها جيشاً وطنياً، بل مجموعات مسلحة خارجة عن القانون".
الاتفاق الثلاثي وأزمة الثقة المتفاقمة
وأشارت مي الجرماني إلى وجود اتفاق ثلاثي بين الأردن وسوريا والولايات المتحدة، ينص على وقف إطلاق النار في مختلف المناطق السورية، إلا أن هذا الاتفاق لم يحترم على أرض الواقع، والاتهامات غالباً ما توجه إلى المكونات المحلية بخرق الهدنة.
وتساءلت عن منطق تحميل جميع المكونات مسؤولية الخروقات "هل يمكن أن تكون دائماً الخروقات من الأقلية؟ بينما تتجاهل الجهات الرسمية دورها، ما أدى إلى تفاقم أزمة الثقة".
واعتبرت أن أي خطوة جدية لبناء الثقة يجب أن تبدأ بانسحاب القوات المسيطرة من المناطق في السويداء وأحياء حلب، مؤكدةً أن ذلك كفيل بوقف الخروقات "الانتهاكات والمجازر تطال جميع المكونات السورية، في ظل شعور عام بانحياز الدولة لمكون واحد وإقصاء الجميع".
الفصائل الأجنبية والفلتان الأمني
وأشارت مي الجرماني إلى أن قوى الأمن العام تضم عناصر أجنبية من جنسيات مختلفة، إضافة إلى عناصر متطرفة، ما يؤدي إلى حالة من الفلتان الأمني وصعوبة السيطرة عليها "هذه الفصائل تشكل سبباً رئيسياً في خرق الهدن وزعزعة الاستقرار وعلى الدولة الدور الأكبر في توفير الأمان".
والمكونات السورية كما تؤكد "لا تطالب سوى بالأمن والحماية. الشعب لا يريد من الدولة أكثر من السلم والأمان، وتوفيرهما كفيل بإنهاء أي حديث عن الانفصال أو التقسيم".
التضامن بين المكونات تجربة مشتركة لا اصطفاف طائفي
وأكدت أن التضامن مع الكرد وأهالي الساحل السوري يأتي من تجربة مشتركة مع الخطر ذاته، مشيرةً إلى أنهم وقفوا إلى جانب السويداء عندما تعرضت للاقتحام "هذا التضامن لا يقوم على أساس طائفي، بل على رفض سياسات تهدد التنوع السوري".
وكما توضح مي الجرماني فإن أهالي السويداء وقفوا سابقاً إلى جانب المكون السني عندما تعرض للقمع في عهد النظام البائد، وشاركوا في مظاهرات سلمية وقدموا الدعم الإنساني "السوريين جميعاً مكون واحد".
خطاب الكراهية بعد وصول الحكومة الحالية
وأشارت إلى أن مظاهر الكراهية والتقسيم لم تظهر بهذا الشكل إلا بعد وصول الحكومة الحالية إلى الحكم، "تسرب خطاب التحريض بين بعض الطوائف، ووصل إلى حد السخرية من ضحايا قتلوا بطرق بشعة".
وأكدت عضوة الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في مدينة السويداء مي الجرماني على أن بناء بلد حقيقي يتطلب عملاً مؤسساتياً واحتراماً للقانون والاتفاقات المحلية والدولية "خرق الهدن يعكس غياب هذا النهج"، محذرةً من أن توجه الحكومة المؤقتة وفق رؤيتها، يسير نحو دولة دينية بعيدة عن مفهوم بلد مواطنة، وهو ما يهدد وحدة سوريا أرضاً وشعباً.