فلك ناز أوجا: من رحم الإبادة ولدت إرادة شنكال الحرة
بعد اثني عشر عاماً على الإبادة الجماعية التي ارتكبها داعش بحق الإيزيديين في شنكال، لا تزال المدينة تواجه تحديات سياسية وأمنية وإنسانية، في ظل غياب حل نهائي لوضعها الإداري واستمرار معاناة آلاف النازحين.
مركز الأخبار ـ في الثالث من آب/أغسطس من كل عام، يتجدد جرح شنكال في ضمير الإنسانية؛ فهو ليس مجرد ذكرى مأساة، بل صفحات من إبادة جماعية وحشية استهدفت النساء والأطفال العزّل، وفي مواجهة هذه الإبادة المنظمة، يعيد أطفال شنكال، بعيونهم المليئة بالأسئلة، ونساؤها بصمودهن الصلب، بناء كرامة الحياة أمام صفحات التاريخ.
تمر الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية الرابعة والسبعين التي ارتُكبت بحق الإيزيديين في 3 آب/أغسطس 2014 ولم تكن تلك الإبادة الأولى، لكنها كانت الأكثر دموية، وما تزال جراحها مفتوحة حتى اليوم.
"كل حجر في شنكال يحمل قصة مؤلمة"
وفي الذكرى الثانية عشرة للإبادة، قالت السياسية فلك ناز أوجا أن الشعب الإيزيدي تعرض عبر تاريخه لـ 73 فرماناً، وكانت إبادة 3 آب/أغسطس هي الفرمان الرابع والسبعين، وهدفها "إفراغ إيزيدخان من سكانها، واقتلاع الإيزيديين من دينهم ومعتقدهم وهويتهم".
وأضافت "عندما نتحدث عن 74 فرماناً، فإننا نقصد ما تم توثيقه فقط، بينما توجد مئات المجازر الأخرى التي لم تُوثق. لقد وقعت إبادة الثالث من آب أمام أنظار العالم والإنسانية، وهي جرح لا يندمل، وما زلنا حتى اليوم نعيش آلامها. قُتل الآلاف أمام أعين العالم، ودُفنوا في مقابر جماعية، وهُجّر مئات الآلاف من ديارهم، كما عُثر حتى الآن على أكثر من 80 أو 90 مقبرة جماعية في شنكال، ولم يُفتح معظمها بعد، ولا يزال مصير نحو 2700 امرأة وطفل إيزيدي مجهولاً، فيما يعيش آلاف آخرون في مخيمات النزوح بإقليم كردستان".
وبينت أن "كل زهرة نبتت في أرض إيزيدخان سُقيت بدماء الشهداء، وكل حجر فيها يحمل قصة مؤلمة وما زلنا نسمع صرخات النساء اللواتي فضّلن إلقاء أنفسهن من الجبال على الوقوع في قبضة داعش، كما فقد الأطفال والنساء وكبار السن وحتى الرضّع حياتهم بسبب الحر والعطش والجوع، ومع اقتراب شهر آب من كل عام، تعود هذه المأساة لتعيش في ذاكرتنا من جديد".

"وصلوا حتى النمسا وتشتتوا في أنحاء العالم"
وأشارت فلك ناز أوجا إلى أن الممر الإنساني الذي فُتح بين شنكال وروج آفا أنقذ حياة آلاف الإيزيديين، بعدما ضحى العشرات من المقاتلين والمقاتلات بحياتهم، لافتةً إلى أن آلاف الإيزيديين عبروا من معبر سيمالكا إلى زاخو ودهوك، فيما اتجه آخرون إلى شمال كردستان "بسبب الهجمات الوحشية لتنظيم داعش، اضطر الإيزيديون إلى الهجرة حتى إلى النمسا، وتوزعوا في مختلف أنحاء العالم. اختاروا رحلة طويلة وشاقة للنجاة من الكارثة، أما الذين بقوا في شنكال فما يزال مستقبلهم غامضاً".
"يقول الأطفال: كلما ابتعدنا أكثر أصبحنا أكثر أماناً"
وتحدثت أيضاً عن النساء الإيزيديات اللواتي تم بيعهن في أسواق الموصل "بيعت النساء الإيزيديات عشر مرات في اليوم في أسواق الموصل، لم يشهد أي تاريخ أو أي حرب بيع النساء بهذه الصورة العلنية كما حدث بعد الثالث من آب، وفي سجن بادوش بالموصل كانت صرخات مئات النساء ترتفع، جراء تعرضهن للضرب والتعذيب، ولم يعدن ترين الخلاص إلا في الموت".
ورغم مرور اثني عشر عاماً، تؤكد أنه "ما زالت تلك المشاهد حاضرة في ذاكرتنا، فعندما تم تحرير النساء من قبضة داعش، نقلن من كوباني إلى آمد شمال كردستان ثم سلّمن إلى عائلاتهن، أما الأطفال، فكانوا يخافون من كل شيء، وحتى عندما كانوا يرون أضواء السيارات يرتعبون ويقولون: كلما ابتعدنا أكثر، أصبحنا أكثر أمناً".
"حياة" اختارت الموت بدل الوقوع في الأسر
وشددت فلك ناز أوجا على أن الألم الذي عاشه الشعب الإيزيدي لا يمكن أن يندمل بسرعة "يتحدث الأطفال في المخيمات عن قتل آبائهم وقطع رؤوسهم أمام أعينهم... كيف يمكن لإنسان أن ينسى ذلك؟ نحن نتحدث قبل كل شيء عن التعذيب النفسي".
وروت قصة شابة إيزيدية تُدعى حياة، عاشت مأساة هجوم داعش "كنت أتحدث معها عبر الهاتف محاوِلةً إقناعها بعدم إنهاء حياتها، لكنها كانت تقول: لكيلا أقع في أيديهم، سأقتل نفسي. حاولت كثيراً أن أثنيها عن ذلك وأخبرتها بأن مقاتلي الكريلا جاءوا لإنقاذهم، لكنها لم تقتنع، وكانت تكرر: لن أترك شرفي لهم، وفي النهاية طلبت أن تتحدث إلى شقيقها، وأثناء المكالمة أنهت حياتها".
تقول إن قصة حياة، وقصص النساء اللواتي ألقين بأنفسهن من المنحدرات والجبال، ليست مجرد حكايات، بل هي قصص نساء دافعن عن كرامتهن حتى الموت "ليت جبال شنكال تستطيع الكلام، لتروي قصص هؤلاء النساء وصرخاتهن، ولتحكي عن الألم والإبادة والمقاومة والإرادة التي واجهت داعش، ومهما تحدثنا عن ذلك، فلن نوفي الحقيقة حقها".
تحذيرات القائد عبد الله أوجلان وتجاهلها
وأشارت فلك ناز أوجا إلى أن ما حدث في شنكال لم يكن الأول من نوعه، مذكّرةً بتفجيرات تل عزير وسيبا شيخ خضر عام 2007 التي أودت بحياة المئات "كان الهدف آنذاك القضاء على الإيزيديين، وما لم ينجحوا في تحقيقه عام 2007 حاولوا تنفيذه عام 2014".
ولفتت إلى أن القائد عبد الله أوجلان كان قد حذر مراراً، من داخل سجن إمرالي، من الأخطار المحدقة بشنكال والإيزيديين، كما دعا منذ عام 2004 إلى تنظيم المجتمع الإيزيدي والدفاع عن نفسه "لكننا لم نأخذ تلك التحذيرات على محمل الجد، لأننا لم نصدق أن فرماناً جديداً سيقع بحقنا. اعتمدنا على قوات البيشمركة والقوات العراقية، معتقدين أنها ستحمينا، لكنها انسحبت عندما بدأت الإبادة".

"ضحّينا بأرواحنا لكننا لم نتخلَّ عن كرامتنا"
وتحدثت كذلك بإسهاب عن الموقع الجغرافي لشنكال وأهميته، وقالت إن هذه الأهمية جعلتها هدفاً دائماً للهجمات "لم تقتصر المخططات على هجوم داعش عام 2014، فبعد عام 2017 استهدفت الدولة التركية، عبر الطائرات المسيّرة، الشخصيات الاجتماعية والخدمية في شنكال، مثل مام زكي وزردشت وبير جكو ودجوار وآزاد وغيرهم، كما استهدفت المؤسسات المدنية".
وأشارت إلى أن خطر عودة داعش لا يزال قائماً "لدينا جواب واحد فقط: لقد ضحّينا بأرواحنا، لكننا لم نتخلَّ عن كرامتنا"، مؤكدةً أن أكبر رد على الإبادة كان حمل النساء الإيزيديات السلاح والدفاع عن أنفسهن وأرضهن.
"لن يستطيع أحد بعد اليوم ارتكاب فرمان جديد بحق الإيزيديين"
وشنكال بحسب ما تؤكد شهدت بعد الإبادة ولادة حياة جديدة "توجه مقاتلو حركة حرية كردستان من الجبال إلى شنكال، كما وصلت وحدات حماية المرأة (YPJ) ووحدات حماية الشعب (YPG) من روج آفا وأسهمت جميعها في ترسيخ مفهوم الحرية والدفاع الذاتي المستند إلى فلسفة القائد عبد الله أوجلان".
وأضافت أن المجتمع الإيزيدي أسس قواته الذاتية من شبابه وفتياته، مؤكدةً أنه "لم يعد بإمكان أي جهة فرض فرمان جديد على الإيزيديين، لأن المجتمع اليوم لم يعد كما كان قبل عام 2014. لقد أنشأ مؤسساته ومجالسه وقواته الذاتية وحقق إنجازات مهمة".

انتقاد صمت العالم
وانتقدت فلك ناز أوجا المجتمع الدولي بشدة "وقعت الإبادة أمام أنظار العالم، ومع ذلك لم تتدخل أي قوة دولية، ولو لم تكن هناك مقاومة الكريلا وYPJ وYPG، لما كان وضع شنكال والإيزيديين كما هو اليوم. هذه المقاومة وجهت رسالة واضحة للعالم مفادها أن المجتمع الدولي بقي صامتاً رغم مشاهدته الإبادة، وأن الرأي العام لم يتحرك إلا بعد هذه المقاومة".
وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا والبرلمان الأوروبي والأمم المتحدة وعدداً من الدول الأوروبية اعترفت بما جرى في شنكال على أنه إبادة جماعية، ولكن هذا الاعتراف الدولي لم يترجم إلى خطوات عملية لإعادة إعمار شنكال أو تحديد وضعها القانوني "لم يُعيَّن أي ممثل خاص لشنكال، ولم يحصل السكان على دعم حقيقي، وحتى بعد محاكمة بعض مرتزقة داعش، لم يحصل الإيزيديون على حقوقهم، فالحديث عن حقوق الإنسان لم يقدم شيئاً لهذا الشعب".
ووجهت فلك ناز أوجا انتقادات حادة للسياسات الأوروبية، معتبرةً أن أوروبا مدينة لشنكال ولمقاومتها "السؤال الذي يجب أن يُطرح على هذه الدول هو: ماذا فعلتم من أجل النساء الإيزيديات؟ هل كان كل ما فعلتموه هو نقل الناجيات إلى أوروبا؟".
حملة "من أجل العدالة والحرية"
وأكدت أن المجتمع الإيزيدي يواصل حياته اليوم عبر نظام الإدارة الذاتية الذي أنشأه "تُعد شنكال اليوم أكثر المناطق أمناً في العراق لأنها تدير نفسها بنفسها ولهذا يعود إليها آلاف النازحين من مخيمات دهوك وزاخو، بعدما أصبحت نموذجاً للحياة الحرة والمتساوية والخالية من العنف".
وأوضحت أن هذا تحقق بفضل مقاومة شبان وفتيات شنكال الذين فقد كثير منهم آباءهم وأمهاتهم على يد داعش، ثم اختاروا طريق الدفاع الذاتي وبناء مجتمع جديد، مشيدةً بالحملة التي أطلقتها حركة حرية المرأة الإيزيدية (TAJÊ) في 17تموز/يوليو الفائت تحت شعار "من أجل العدالة والحرية - كن أنت أيضاً صوتاً لأسيرات الإبادة".
وقالت إن الحملة، التي أُطلقت بالتعاون مع مجلس النساء الإيزيديات في أوروبا، تحظى باهتمام واسع، خاصة فيما يتعلق بمصير النساء الإيزيديات اللواتي ما زلن في عداد المفقودات، وتؤكد أن دعم هذه الحملة يعني تحمّل المجتمع الدولي مسؤوليته تجاه المختطفات اللواتي ما زلن يُستغللن كالعبيد في بعض مناطق الشرق الأوسط.
"على الحكومة العراقية الاعتذار لأهالي شنكال"
وانتقدت قرار الحكومة العراقية بالعفو عن بعض عناصر داعش، متسائلةً "كيف يمكن إطلاق سراح أشخاص شاركوا في الإبادة الجماعية والمجازر؟".
وفي ختام حديثها، شددت السياسية فلك ناز أوجا على أن شنكال جزء من الأراضي العراقية، وكان من المفترض أن يُجرى فيها استفتاء وفق المادة (140) من الدستور العراقي، كما في كركوك وخانقين ومخمور، إلا أن ذلك لم يحدث "كان على الحكومة العراقية حماية شنكال، لكنها تركتها وحدها، ولذلك عليها أن تعتذر لأهالي شنكال، وأن تمنح المدينة وضعها القانوني، وتعترف بقواتها المحلية، وتحاسب المسؤولين عن الإبادة".