بعد إقرار النظام الداخلي لمجلس الشعب... هل الأولوية لتمثيل السويداء أم للمحاسبة؟

ترى المحامية مرام القضماني أن آلية تعيين أعضاء مجلس الشعب، بدلاً من انتخابهم، لا تحقق تمثيلاً شعبياً حقيقياً، مؤكدة أن أولويات أبناء السويداء بعد الأحداث الدامية أصبحت تتركز على الأمن والعدالة والضمانات قبل أي حديث عن المشاركة السياسية.

روشيل جونيور

السويداء ـ مع إقرار النظام الداخلي الجديد لمجلس الشعب السوري، الذي ينظم مدة الولاية، والدورات البرلمانية، وآليات التصويت، وصلاحيات رئيس المجلس، عاد الحديث عن المرحلة التشريعية المقبلة، وعن تمثيل مختلف المناطق داخل المؤسسة التشريعية. إلا أن السويداء تطرح تساؤلات من نوع مختلف، لا تتعلق فقط بتعيين شخصيتين لشغل مقعدين في المجلس كإجراء مؤقت، بل بما هو أبعد من ذلك؛ إذ يرى كثير من أبناء السويداء أن الأولوية اليوم لم تعد قضية التمثيل السياسي، وإنما محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرضوا لها، وتحقيق العدالة، واستعادة الثقة قبل الانتقال إلى أي استحقاق سياسي.

 

التعيين لا يحقق التمثيل الحقيقي

تقول المحامية مرام القضماني إن ما لوحظ في سوريا بعد سقوط النظام هو انتشار ثقافة التعيين، سواء في تعيين رئيس الجمهورية أو في تعيين أعضاء مجلس الشعب، رغم أن المجلس هو أعلى سلطة تشريعية، ومن المفترض أن يكون ممثلاً لإرادة الشعب من خلال انتخابات حرة وديمقراطية، بحيث يختار المواطنون ممثليهم ليكونوا صوتهم الحقيقي داخل المؤسسة التشريعية.

وترى أن الطريقة التي جرى بها تشكيل المجلس لا تحقق ما كان يطمح إليه السوريون بعد سقوط النظام، إذ جرى تعيين أعضاء، مع ترك بعض المقاعد لإجراء انتخابات مستقبلاً، إلا أن هذه الانتخابات لم تجرى حتى الآن، وبقي المجلس يقتصر على الأعضاء المعينين.

وتضيف أن وجود شخصيتين من السويداء داخل مجلس الشعب لا يعني بالضرورة وجود تمثيل سياسي حقيقي، لأن هذا التمثيل يجب أن يستند إلى تفويض شعبي مباشر، وهو ما لا يتحقق في ظل غياب الانتخابات وعدم وجود توافق مجتمعي من أبناء السويداء على الأشخاص الذين تم تعيينهم.

وتوضح أن عضو مجلس الشعب يفترض أن يكون حلقة الوصل بين إرادة الشعب والحكومة، وأن ينقل مطالب المواطنين وصوتهم الحقيقي، بينما الشخص الذي يصل إلى المجلس عن طريق التعيين سيبقى حريصاً على الحفاظ على رضا الجهة التي عينته، أكثر من حرصه على تمثيل الإرادة الشعبية بصورة مستقلة.

وتضيف "بالنسبة لأبناء السويداء، الذين تعرضوا لأحداث دامية وانتهاكات جسيمة بناء على الطائفة، فإن لديهم سقفاً عالياً من المطالب الحقوقية والقانونية والسياسية التي تحقق الحد الأدنى من الحماية، ولذلك يبرز سؤال مشروع من منح هؤلاء الأشخاص حق التحدث باسمنا؟ وهل هم قادرون فعلاً على حمل هموم أبناء السويداء وإيصالها كما هي؟ وهل كانت آلية التعيين حيادية، ومستوفية لجميع الفئات والأصوات الموجودة في السويداء؟".

 

المطالب تبدلت بعد الأحداث الدامية

وتوضح مرام القضماني أن مطالب أبناء السويداء بعد سقوط النظام لم تكن تختلف عن مطالب بقية السوريين، إذ كانت تتركز حول بناء دولة ديمقراطية، ودولة مؤسسات، وتحقيق مبدأ المواطنة، والمشاركة السياسية، والعيش الكريم، والحصول على الحقوق المدنية والسياسية هذه هي مطالب أبناء السويداء بعد سقوط النظام ولا نستطيع تسمية المرحلة بالانتقالية هي "مرحلة عشوائية".

إلا أنها تؤكد أن الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء غيرت هذه الأولويات بالكامل، إذ لم يعد الحديث يدور حول المشاركة السياسية فقط، وإنما أصبح أبناء السويداء يطالبون أولاً بحقهم في الحياة، والأمان، والعدالة، والمحاسبة، معتبرة أن ما جرى وضعهم في مرحلة الدفاع عن وجودهم قبل أي شيء آخر.

وتقول إن النقاش السياسي اليوم داخل السويداء يتضمن طروحات متعددة، منها اللامركزية الموسعة، والحكم الذاتي، وحتى وجود قوى تطالب بالاستقلال الكامل، إلا أن جميع هذه الطروحات تلتقي عند قاسم مشترك واحد، وهو توفير ضمانات حقيقية تحمي أبناء السويداء وتحفظ كرامتهم وحقوقهم.

 

الأزمة تتجاوز مقاعد مجلس الشعب

وترى مرام القضماني أنه ليس من الدقة اختزال قضية السويداء في مسألة التمثيل داخل مجلس الشعب، لأن المشكلة لم تعد تتعلق بوجود نائب أو نائبين أو حتى أكثر، وإنما بما تعرض له أبناء السويداء من أحداث وانتهاكات خلقت أزمة ثقة حقيقية مع السلطة.

وتضيف أن أي حل سياسي يجب أن يبدأ بمعالجة جذور المشكلة، من خلال الوصول إلى محاسبة حقيقية وشفافة للمسؤولين عن الانتهاكات، أي كانت الجهات التي تقف وراءها، وكشف الحقيقة، ثم الانتقال بعد ذلك إلى مناقشة التمثيل السياسي وآليات مشاركة أبناء السويداء في المؤسسات.

وتؤكد أن التمثيل داخل المؤسسة التشريعية حق لأبناء السويداء، لكنه اليوم ليس القضية الأكثر إلحاحاً لأن الأولوية أصبحت لاستعادة الأمن، وتحقيق العدالة، وإنصاف الضحايا، وبناء الثقة التي فقدت بعد الأحداث الأخيرة.

 

تجاهل المطالب لن يلغيها

وتختتم مرام القضماني حديثها بالتأكيد على أن تجاهل مطالب أبناء السويداء أو تغييبها لن يؤدي إلى نسيانها، بل سيزيد من الإصرار عليها، لأن هذه المطالب لم تعد تقتصر على شكل الإدارة أو آليات التمثيل السياسي، وإنما أصبحت مرتبطة بحقوق أساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والأمان، والحرية، والكرامة، والعدالة.

وتشدد على أن أي صيغة سياسية أو إدارية مستقبلية، سواء كانت لامركزية أو غيرها، يجب أن تنطلق من احترام حق أبناء السويداء في تقرير مستقبلهم، وتقديم ضمانات حقيقية تكفل حمايتهم وحقوقهم، لأن معالجة هذه الملفات هي المدخل لأي حديث جاد عن المشاركة السياسية أو التمثيل داخل مجلس الشعب.