الشرق الأوسط على صفيح ساخن... حروب مشتعلة

يشهد الشرق الأوسط لحظة غير مسبوقة من الانفجار الإقليمي، حيث تتداخل الحروب مع أزمات الدولة وتتشابك الجبهات من إيران إلى لبنان وغزة واليمن. لم تعد المواجهة مجرد صراع عسكري، بل انعكاساً لانهيار نموذج سياسي كامل.

مالفا محمد

مركز الأخبار ـ يدخل العالم مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعدما تحولت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، من "اشتباكات محدودة" إلى حرب واسعة تُعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. فالمشهد لم يعد مجرد تبادل للضربات، بل انزلاق كامل نحو صراع مفتوح يطال الجبهات من إيران إلى لبنان وغزة واليمن والعراق، ويشعل الممرات البحرية الحيوية، فيما تتسابق القوى الدولية لتثبيت مواقعها في معادلة إقليمية تتغير بسرعة.

لفهم هذا الانفجار الإقليمي، لا يكفي النظر إليه كصراع بين محاور، بل كنتاج مباشر لنموذج سياسي ذكوري تشكل منذ قرن. هذا النموذج، القائم على الدولة القومية المركزية واحتكار الرجال للقرار والعنف، هو الخيط الذي يربط بين كل الجبهات. فالحرب ليست مجرد مواجهة بين دول، بل إعادة إنتاج لمنظومة سلطوية واحدة تُقصي المجتمع، وخاصة النساء، عن المشاركة.

وهذا المشهد يكشف من منظور نسوي سياسي حدود الدولة القومية ذات الطابع الذكوري؛ فهي دولة أعادت إنتاج مركز سلطوي مغلق ونخبة تتحكم بالقرار. ومع اتساع رقعة الحرب، تتعرى هشاشة هذا النموذج الذي يتعامل مع المجتمع ككتلة صامتة، ومع الرجال كوقود للجبهات، ومع النساء كحاضنة اجتماعية للحرب لا كفاعلات يمتلكن حق المساءلة.

كما أن خلف الضجيج العسكري، تبرز أزمة أعمق بكثير "أزمة نموذج سياسي كامل" بُني على الدولة القومية المركزية، وعلى احتكار السلطة والثروة، وعلى تهميش النساء والشعوب. القائد عبد الله أوجلان كان من أوائل من حذروا من هذا المسار، معتبراً أن ما نعيشه ليس مجرد صراع إقليمي، بل أحد تجليات "أزمة الحداثة الرأسمالية" التي وصفها بأنها الوجه الحقيقي للحرب العالمية الثالثة. وفي مقابل هذا الانهيار، طرح رؤية بديلة تقوم على "الديمقراطية القاعدية وتحرر المرأة" باعتبارهما المدخل الوحيد لإنهاء منظومة العنف وإعادة بناء مجتمع أكثر عدلاً.

هذا التحليل الأيديولوجي يظهر تداخل ثلاث منظومات كبرى: القومية المتصلبة، والدين المؤدلج، والرأسمالية النيوليبرالية. ورغم اختلاف شعاراتها، فإنها تتفق على إبقاء المرأة في موقع التابع، وتحويل الحرب الراهنة إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام الأبوي ـ الطبقي نفسه وتحديث أدواته الأمنية.

 

صراع إقليمي مفتوح

يشهد الشرق الأوسط منذ أسابيع واحدة من أكثر لحظات الانفجار العسكري خطورة، بعدما انزلقت المواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، من إطار الضربات المحدودة إلى "حرب إقليمية مفتوحة" تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط. الهجمات الجوية والصاروخية باتت تضرب العمق الإيراني والإسرائيلي على حد سواء، فيما تتسع رقعة العمليات لتشمل دولاً خليجية، في مؤشر واضح على انهيار منظومة الردع التي حكمت العلاقة بين الأطراف لعقود طويلة.

هذا التصعيد ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة صراعات متراكمة تعود جذورها إلى تحولات كبرى أعادت تشكيل المنطقة، فقد أحدثت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 قطيعة شبه كاملة مع إسرائيل، بعد سنوات من التعاون الأمني والاقتصادي بين الطرفين. تبنت طهران خطاباً يعتبر إسرائيل "كياناً غير شرعي"، وجعلت دعم الحركات المناهضة لها جزءاً من بنيتها العقائدية والسياسية.

وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي اعتمدت إيران استراتيجية "الدفاع المتقدم" عبر دعم حلفاء إقليميين في لبنان وفلسطين واليمن والعراق. في المقابل، تبنت إسرائيل سياسة "المعركة بين الحروب"، عبر ضربات دقيقة لمنع ترسيخ الوجود الإيراني في سوريا وقطع خطوط الإمداد نحو حلفائها.

 

من إيران إلى لبنان... انتقال محتوم لجبهة مشتعلة

ومع توسع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد ساحات الصراع الأخرى قادرة على البقاء على الهامش، إذ بدأت الجبهات المرتبطة بطهران تتفاعل تلقائياً مع التصعيد، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية التي لطالما شكلت امتداداً استراتيجياً للمعادلة الإقليمية.

لم يعد لبنان قادراً على البقاء خارج المشهد. فمنذ الثاني من آذار/مارس 2026، تحولت الحدود الجنوبية إلى "جبهة مشتعلة" بعدما دخل حزب الله المواجهة بشكل مباشر، فيما وصفه قادته بأنه "التزام استراتيجي" تجاه طهران وردّ على الضربات التي تتعرض لها. هذا الانخراط لم يكن مفاجئاً؛ فلبنان لطالما شكل جزءاً من معادلة الردع الإقليمية، لكن حجم المشاركة هذه المرة نقل البلاد من "حافة الاشتباك" إلى "حرب واسعة" مترابطة مع الجبهة الإيرانية.

إسرائيل ردّت بتكثيف غير مسبوق لضرباتها الجوية والصاروخية على الجنوب اللبناني وضواحي بيروت، قبل أن تبدأ عمليات برية في 16 آذار/مارس، في محاولة لفرض "منطقة أمنية" بحكم الأمر الواقع وإبعاد حزب الله عن الحدود. هذا التصعيد جاء ضمن رؤية إسرائيلية تعتبر أن تحييد الجبهة اللبنانية شرط أساسي لنجاح عملياتها ضد إيران، ما جعل لبنان جزءاً عضوياً من مسرح الحرب الإقليمي، لا مجرد ساحة جانبية.

وكما في كل صراع تحكمه بنية ذكورية، يغيب صوت النساء تماماً عن القرار، رغم أنهن يتحملن العبء الأكبر للنزوح والانهيار الاجتماعي، ما يكشف التناقض بين خطاب المقاومة وواقع السلطة الأبوية التي تتحكم بمصير المجتمع.

 

من لبنان إلى غزة... وجه آخر للمعادلة

وإذا كان لبنان قد دخل الحرب من بوابة ارتباطه بمحور إقليمي، فإن غزة تمثل الوجه الآخر لهذه المعادلة، حيث تحولت خلال العقدين الأخيرين من ساحة فلسطينية محلية إلى عقدة مركزية داخل شبكة النفوذ الإيرانية.

منذ حرب 2023، يعيش قطاع غزة في حالة حصار ودمار مستمرين. لكن خلف الصورة الإنسانية القاسية، تتكشف معادلة سياسية أكثر تعقيداً؛ حماس، التي بدأت كحركة مقاومة شعبية، تحولت إلى سلطة موازية تفرض قرار الحرب والسلم دون مشاركة المجتمع أو مؤسساته. ومع توسع ارتباطها الإقليمي، تراجعت قدرتها على اتخاذ قرار مستقل بالكامل، لأن موقعها داخل المحور يجعلها جزءاً من حسابات تتجاوز حدود غزة.

فالحرب تُدار بقرار ذكوري مغلق، بينما تُختزل النساء في صور الضحية أو الأم، من دون أن يكنّ جزءاً من صناعة القرار أو تحديد مسار الصراع.

 

العراق... ازدواجية الدولة والفصائل

وما ينطبق على غزة من تداخل بين المحلي والإقليمي يظهر بوضوح أكبر في العراق، حيث تتقاطع الدولة الضعيفة مع فصائل مسلحة مرتبطة مباشرة بإيران، ما يجعل الساحة العراقية جزءاً لا يتجزأ من مشهد الحرب الأوسع.

يمثل العراق نموذجاً معبراً عن أزمة الدولة في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع داخله بنية مؤسساتية رسمية مع منظومة فصائل مسلحة تمتلك شرعية اجتماعية وسياسية وعسكرية. ويعد الحشد الشعبي أبرز هذه الفاعلين، إذ نشأ في سياق مواجهة داعش، لكنه سرعان ما تحول إلى قوة فوق ـ دولتية تمتلك نفوذاً يتجاوز قدرة الدولة على الضبط والاحتواء.

رغم أن الحشد تأسس كقوة طوارئ، فإن جزءاً مهماً من فصائله يرتبط تنظيمياً وعقائدياً بالحرس الثوري الإيراني. هذا الارتباط جعل الحشد جزءاً من شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني، التي تعمل وفق منطق "تعدد الساحات" في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. وبذلك، لم يعد الحشد مجرد قوة محلية، بل فاعلاً إقليمياً يتحرك ضمن حسابات تتجاوز حدود الدولة العراقية.

 

من العراق إلى اليمن... امتداد آخر للمحور

وبينما يتخذ الصراع في العراق طابعاً مؤسساتياً ـ فصائلياً، فإن اليمن يقدم نموذجاً آخر لتأثير المحاور الإقليمية، حيث يشكل الحوثيون أحد أهم امتدادات النفوذ الإيراني في المنطقة. فمع اتساع رقعة الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران، سجلت القوات الإسرائيلية يوم السبت 28 آذار/مارس لأول مرة إطلاق صاروخ من اليمن، قبل أن يعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه. هذا التطور جاء بعد سلسلة تهديدات من الجماعة بأنها ستتدخل إذا استمر التصعيد ضد طهران و"محور المقاومة".

وبالعودة في الزمن، سنرى أن الحوثيون يرتبطون بإيران منذ بدايات الألفية، حين بدأت طهران في دعم الجماعات التي تتبنى خطاباً مناهضاً للولايات المتحدة والسعودية. ومع اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، تعمق هذا الارتباط بشكل واضح، حيث وفرت إيران السلاح والخبرة والتدريب عبر الحرس الثوري وحزب الله، كما تبنى الحوثيون خطاب "محور المقاومة" ورفعوا شعاراته، لكنهم حافظوا على استقلالية نسبية في القرار.

وفي اليمن، كما في غيره، تُدار الحرب بمنطق أبوي يجعل المجتمع مجرد خزان تعبئة، ويُبقي النساء خارج أي دور سياسي، رغم أنهن يتحملن تبعات الحرب من فقدان الأمن والغذاء والرعاية. أي رغم اختلاف ساحات الصراع من لبنان إلى غزة والعراق واليمن، فإن ما يجمعها هو إعادة إنتاج المنظومة الذكورية ذاتها؛ منظومة تجعل الدولة القومية والحركات المسلحة وجهين لسلطة واحدة تحتكر القرار والعنف وتقصي المجتمع، وخاصة النساء، عن المشاركة.

 

الممرات البحرية كورقة ضغط... سيناريو "كسر العظم"

ومع انتقال الصراع من البر إلى البحر، برز مضيق هرمز كأحد أهم أوراق الضغط في يد إيران. المضيق ليس مجرد ممر مائي ضيق بين اليابسة والمحيط، بل شريان للطاقة العالمية. ومع تصاعد الحرب، عاد هذا الشريان إلى الواجهة، ليس بوصفه طريقاً للتجارة فحسب، بل كأداة يمكن أن تغير موازين القوى في لحظة واحدة.

في الأيام الأخيرة، أرسلت إيران رسالة إلى المنظمة البحرية الدولية تقول فيها إن المضيق سيبقى مفتوحاً أمام "السفن غير المعادية". بدا الأمر وكأنه إعلان هادئ، لكنه يحمل نبرة مزدوجة؛ يدٌ تُطمئن الأسواق، وأخرى تلوح بإمكانية الضغط أو الإغلاق أو الاستهداف الانتقائي.

ومن منظور نسوي، تبدو هذه الصراعات على الممرات البحرية امتداداً لذهنية السيطرة الذكورية التي تتعامل مع الجغرافيا والموارد كأدوات قوة، لا كفضاءات حياة لمجتمعات تعتمد على الاستقرار الاقتصادي والأمني.

الجميع يدرك أن الوضع الحالي ليس النهاية. فإذا وصلت الحرب إلى مرحلة "كسر العظم"، قد تتغير قواعد اللعبة بالكامل. عندها قد لا تكتفي إيران بالتلويح، بل قد تستخدم المضيق كسلاح مباشر، سواء عبر تعطيل الملاحة أو استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج. وهذا السيناريو، إن حدث، لن يبقى محصوراً في المنطقة، بل سيهز الأسواق العالمية من آسيا إلى أوروبا.

 

إلى أين يتجه المشهد؟

ما يجري لم يعد سلسلة أزمات منفصلة، بل شبكة صراعات مترابطة: حرب على إيران، جبهة لبنان، غزة المستمرة، توتر في اليمن والبحر الأحمر، وضغط على مضيق هرمز. أي تغيير في جبهة ينعكس مباشرة على الأخرى.

كما أن طهران تسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، لكنها تتحرك على حافة هاوية؛ أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام ضربة أوسع أو انهيار داخلي إذا طال أمد الحرب واشتدت العقوبات.

رغم التصعيد، ما زالت هناك نافذة وإن كانت ضيقة لتسوية تقوم على: تهدئة في غزة، ترتيبات أمنية في لبنان، وضمانات متبادلة حول الممرات البحرية والبرنامج الصاروخي.

لكن البديل الحقيقي ليس مجرد وقف إطلاق نار، بل إعادة تخيل المجتمعات عبر اقتصاد تشاركي لا يقوم على النهب، وفضاء سياسي قاعدي تصاغ فيه القرارات من الأسفل. إن تحرر المرأة ليس مجرد كوتا، بل هو شرط بنيوي لأي تجربة ديمقراطية حقيقية؛ فإما أن تكون المرأة في قلب أي مشروع تحرري قادم، أو سيظل العالم يدور في الحلقة ذاتها؛ رجال يعلنون الحروب، ونساء يدفعن الثمن بصمت.