الرئاسة المشتركة... نموذج إداري يضمن مشاركة فاعلة للنساء في مواقع القرار

منذ عام 2014 شكل إدماج النساء في مواقع القرار عبر نظام الرئاسة المشتركة تجربة عملية نقلت مفهوم الشراكة من إطار تنظيمي إلى ممارسة يومية انعكست على جودة الخدمات، وآليات العمل المؤسسي، وتعزيز العدالة في توزيع الموارد لاحتياجات المجتمع.

أسماء محمد

قامشلو ـ نظام الرئاسة المشتركة، الذي بدأ تطبيقه منذ عام 2014، لم يقتصر على تمثيل النساء شكلياً في البلديات، بل نقلهن إلى صلب عملية اتخاذ القرار، وأسهم بشكل مباشر في تحسين جودة المشاريع، تعزيز الشفافية، توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، وضمان توزيع متوازن للموارد والخدمات بما يحقق العدالة بين جميع فئات المجتمع ويضع المرأة كشريك أساسي في الإدارة والتخطيط المحلي.

في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا منذ عام 2014، برز نظام الرئاسة المشتركة كأحد أبرز ملامح إعادة صياغة بنية الحكم المحلي، ولا سيما في قطاع البلديات الذي يرتبط بشكل مباشر بتفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. ولم يكن اعتماد هذا النظام مجرد تعديل إداري في آلية توزيع المناصب، بل خطوة هيكلية أعادت تعريف مفهوم القيادة داخل المؤسسات العامة، وأدخلت مبدأ الشراكة المتكافئة بين المرأة والرجل إلى صلب عملية اتخاذ القرار.

ومن مدينة قامشلو، حيث تأسست أول بلدية وفق هذا النموذج، بدأت ملامح تجربة مختلفة تتشكل على أرض الواقع، تجربة تستند إلى تقاسم المسؤولية، تعزيز الشفافية، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، لتتحول مع مرور الوقت من فكرة تنظيمية إلى ممارسة مؤسساتية راسخة تعكس تحولاً عميقاً في الثقافة الإدارية والاجتماعية على حد سواء.

 

تأسيس نموذج إداري جديد يرسخ مشاركة المرأة في صنع القرار

بيريفان عمر الرئاسة المشتركة لبلديات الشعب في مقاطعة قامشلو, قالت إن نظام الرئاسة المشتركة الذي بدأ تطبيقه في مؤسسات الإدارة الذاتية عام 2014 شكل تحولاً بنيوياً عميقاً في طبيعة العمل الإداري وآليات اتخاذ القرار، ولا سيما في قطاع البلديات الذي يعد الواجهة المباشرة للإدارة أمام المواطنين.

وأوضحت أن المجتمع في مراحله الأولى لم يكن معتاداً على نموذج قيادي يقوم على الشراكة المتكافئة بين امرأة ورجل، بعد عقود من ترسيخ مفهوم السلطة الفردية المرتبطة بشخص واحد يحتكر القرار والمسؤولية، مشيرة إلى أن هذا التحول لم يكن تقنياً فحسب، بل مسّ البنية الثقافية والاجتماعية التي تحدد صورة القيادة ودورها في المجال العام.

وأشارت إلى أن بلدية قامشلو كانت أول مؤسسة بلدية تعتمد نظام الرئاسة المشتركة بشكل رسمي، وأن مرحلة التأسيس رافقها نقاش واسع حول فعالية هذا النموذج وقدرته على إدارة الملفات الخدمية والتنظيمية المعقدة، مؤكدة أن نجاح التجربة لم يتحقق عبر القرارات الإدارية وحدها، بل من خلال نتائج ملموسة ظهرت في تطوير المشاريع الخدمية، وتنظيم آليات العمل الداخلي، وتحسين الاستجابة لشكاوى المواطنين. فكلما انعكس الأداء الإداري على الواقع اليومي بصورة واضحة، تكرس النظام كخيار عملي وليس كمجرد إطار تنظيمي جديد.

وأضافت بيريفان عمر أن الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2015 شكلت مرحلة مفصلية في تثبيت قواعد العمل المشترك، حيث جرى تحديد الصلاحيات بشكل دقيق، وتنظيم العلاقة بين الرئاسة المشتركة وبقية الهيئات والأقسام البلدية. هذا التنظيم أسهم في تحويل الفكرة من تجربة ناشئة إلى ممارسة مؤسساتية مستقرة تقوم على توزيع المسؤوليات وتكامل الرؤى، وأتاح للنساء دخول دوائر صنع القرار بصورة فعلية، والمشاركة في إعداد الخطط الاستراتيجية، وتحديد أولويات المشاريع، ومتابعة التنفيذ والتقييم.

وأكدت أن مشاركة النساء في الإدارة أحدثت تحولاً ملموساً في طبيعة العلاقة بين المؤسسة والمجتمع، إذ باتت آليات التواصل أكثر انفتاحاً وشفافية، وأصبح حضور الفئات الأقل تمثيلاً أكثر وضوحاً في عملية التخطيط، لافتة إلى أن النساء في مواقع القرار استطعن إدراج قضايا اجتماعية كانت مغيبة سابقاً ضمن جدول الأعمال البلدي، ما وسع مفهوم الخدمة العامة ليشمل أبعاداً تنموية واجتماعية متكاملة، تتجاوز النظرة التقليدية التي تحصر العمل البلدي في الجانب التقني فقط.

وأوضحت أن أثر القيادة المشتركة لم ينعكس على مضمون المشاريع فحسب، بل شمل أيضاً تعزيز معايير النزاهة والرقابة الداخلية، حيث حدت آلية العمل التشاركي من التفرد بالقرار، ورسخت ثقافة المساءلة المتبادلة داخل المؤسسة، مشيرة إلى أن هذا التوازن في الصلاحيات أسهم في تقليل الأخطاء الإدارية، ورفع مستوى الدقة في اتخاذ القرارات، وتعزيز ثقة المواطنين بالإدارة المحلية باعتبارها جهة مسؤولة وخاضعة للمحاسبة.

الفارق بين الإدارة الأحادية والإدارة القائمة على الرئاسة المشتركة يتجلى في طبيعة الرؤية التنموية المعتمدة، فحين تتكامل وجهتا نظر مختلفتان، تصبح المشاريع أكثر شمولية وتوازناً، ويتم توزيع الموارد وفق معايير تأخذ بعين الاعتبار احتياجات جميع الفئات، بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.

 

من التشكيك إلى الثقة... صعود المرأة كقوة قيادية في البلديات

وبينت بيريفان عمر أن التجربة العملية أثبتت قدرة النساء على إدارة الملفات الخدمية والتنظيمية بكفاءة عالية، والتعامل مع التحديات اليومية بروح مبادرة ومسؤولية، مشيرة إلى أن النساء واجهن في البداية ضغوطاً اجتماعية وتشكيكاً بقدرتهن على القيادة، إلا أن الأداء العملي والنتائج الملموسة كانا كفيلين بإعادة صياغة الصورة النمطية المرتبطة بدور المرأة في المجال العام، وترسيخ حضورها كعنصر فاعل في إدارة الشأن المحلي.

وأكدت أن تجربة الرئاسة المشتركة أسهمت في خلق وعي مجتمعي جديد لدى النساء حول حقوقهن وإمكاناتهن القيادية، وأنتجت جيلاً أكثر ثقة بقدرته على المشاركة في صنع القرار، معتبرة أن هذا التحول لا يقتصر على إطار بلديات قامشلو، بل يشكل نموذجاً قابلاً للاستفادة منه في إعادة بناء الإدارة المحلية في عموم سوريا، عبر اعتماد مقاربات أكثر تشاركية وعدالة.

وشددت بيريفان عمر على أن الرئاسة المشتركة في بلديات قامشلو تمثل نموذجاً عملياً لقيادة شاملة ومستدامة، تعكس تنوع المجتمع وتستجيب لاحتياجاته المتعددة، مؤكدة أن دمج النساء في مواقع اتخاذ القرار لم يعد مسألة تمثيل رمزي، بل أصبح ضرورة إدارية لضمان جودة الخدمات، وتعزيز العدالة في توزيع الموارد، وبناء مؤسسات قائمة على الشراكة والمساءلة، بما يؤسس لمستقبل إداري أكثر توازناً واستقراراً.