الفراغ الدولي في سوريا… بيئة مفتوحة لجرائم جماعية تهدد المدنيين
مع استمرار الانتهاكات في مناطق شمال وشرق سوريا وغياب أي ضمانات دولية رادعة، يتصاعد القلق من تحول الواقع القائم إلى بيئة مفتوحة لجرائم جماعية تهدد المدنيين.
أسماء محمد
قامشلو ـ غياب الإرادة الدولية وتقييد آليات المحاسبة يمنحان مرتكبي الانتهاكات حصانة فعلية، ويهددان الأمن الإنساني والسياسي في مناطق روج آفا، وسط مطالبات بتحرك قانوني عاجل يفرض العدالة ويمنع تكرار المجازر.
أزمة هيكلية عميقة تمثل فراغاً دولياً وسياسياً هائلاً في سوريا تمثل في غياب أي سلطة مركزية فعالة قادرة على فرض القانون وحماية المدنيين، وغياب إرادة دولية كافية لتطبيق النصوص القانونية الدولية.
هذا الفراغ السياسي خلق ساحة خصبة لتدخلات متعددة للقوى الدولية والإقليمية، شملت روسيا وإيران في بداية النزاع، ولاحقاً الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، السعودية وتركيا، كل وفق مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، ما أدى إلى تعدد مراكز النفوذ على الأرض وتفاقم الانتهاكات بحق المدنيين، وبالأخص الشعب الكردي.
خلال عام ونيف برزت فجوة هائلة بين النصوص القانونية الدولية وبين قدرتها على التطبيق الفعلي، وهو ما دفع الدول الكبرى للتسابق على فرض هيمنتها في مناطق النزاع، سواء عبر الدعم المباشر للحكومة المؤقتة أو من خلال تدخلات عسكرية وسياسية في مناطق الإدارة الذاتية، ما أفرز واقعاً معقداً مليئاً بالانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية.
تحليل المخاطر القانونية والانتهاكات
وفي هذا السياق قدمت المحامية ندى ملكي من مدينة قامشلو قراءة قانونية معمقة لتحليل المخاطر القانونية والانتهاكات المستمرة، وتوضيح المسؤوليات المترتبة على المجتمع الدولي في مواجهة هذا الواقع، مؤكدةً ضرورة تحرك عاجل للحد من الانتهاكات وحماية المدنيين.
وقالت أن الفراغ الدولي في سوريا يمثل "حالة غير مسبوقة من غياب السلطة المركزية"، مما أدى إلى تضارب التدخلات الدولية، واستغلال الانتهاكات بحق المدنيين لتحقيق مصالح سياسية ضيقة "هذا الفراغ سمح للميليشيات المرتبطة بالدول الكبرى وللقوات الأجنبية بتنفيذ مجازر ضد الشعب الكردي والأقليات الأخرى في مناطق مثل عفرين، سري كانيه، كوباني، الساحل والسويداء، دون أي محاسبة فعلية".
ورغم وجود الاتفاقيات الدولية الأربعة المعروفة باسم اتفاقيات جنيف، والتي تهدف إلى حماية المدنيين والجرحى والنساء والأطفال، فإن "أزمة التنفيذ تظل العائق الأساسي"، فغياب الإرادة السياسية الدولية، واستعمال حق الفيتو من قبل بعض الدول الكبرى في مجلس الأمن، كما تقول "يتيح لمرتكبي الانتهاكات التهرب من المسؤولية، ويمنحهم الحصانة جزئياً أو كلياً".
وأوضحت ندى ملكي أن المحكمة الجنائية الدولية "تواجه صعوبات بالغة في محاكمة مرتكبي الجرائم في مناطق النزاع"، إذ تمنع منظمات مثل الصليب الأحمر والهلال الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان من الوصول إلى مناطق الانتهاكات لجمع الأدلة والإثباتات، كما أن "وجود الحصانة السياسية لبعض القادة، وعدم انضمام دول معينة إلى نظام روما، يحد من الولاية القضائية للمحكمة ويعيق تحقيق العدالة".
والتاريخ القانوني والجنائي كما تؤكد "يشهد أن ميليشيات نظام الأسد، وبعض الميليشيات التابعة للحكومة الانتقالية، ومرتزقة تركيا في المناطق المحتلة، ارتكبت مجازر وانتهاكات واسعة ضد المدنيين. هذه الانتهاكات تشمل القتل الجماعي، الاختطاف، الاغتصاب، الحرمان من الموارد الغذائية الأساسية، وتجويع المدنيين، وهو ما يشكل جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية بموجب القانون الدولي".
وأشارت إلى إن الجرائم المرتكبة في مناطق مثل كوباني المحاصرة، حيث تم منع وصول الغذاء والمياه، أدت إلى القتل البطيء للأطفال والنساء، وهو خرق صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين، ويشير إلى فشل المجتمع الدولي في فرض القانون وضمان حماية السكان.
وإن استمرار الإبادة الجماعية وعدم المحاسبة "يعرض المنطقة لخطر أمني كبير"، إذ إن الجماعات الجهادية مثل داعش قد تستغل هذا الفراغ، ما يهدد كل شعوب الشرق الأوسط، ويزيد من احتمال نشوب صراعات أوسع، قد تصل إلى أبعاد إقليمية أو عالمية، كما أوضحت.
تعدد القوى وتلاشي القانون
والشعب الكردي اليوم ليس محصوراً في روج آفا فحسب، بل يتوزع في العراق وتركيا وإيران وكافة أنحاء العالم، وأي مجزرة جديدة بحق الكرد "قد تتحول إلى أزمة دولية واسعة"، مشيرةً إلى أن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك الفوري لتطبيق القوانين الدولية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وضمان إعادة الحقوق للأفراد من أراضي وممتلكات وموارد اقتصادية، وتطبيق اتفاقيات إعادة المهجرين إلى مناطقهم بأمان "أي تقاعس عن التحرك يعني استمرار الانتهاكات ويهدد السلام والأمن الإقليمي والدولي".
وأكدت المحامية ندى ملكي أن القوى الكبرى، من خلال تدخلاتها السياسية والعسكرية، تتحمل مسؤولية كاملة في تطبيق القانون الدولي وحماية المدنيين "على مجلس الأمن، والمحكمة الجنائية الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، أن تفرض إرادتها وتزيل الثغرات القانونية التي تسمح باستمرار الانتهاكات، بما في ذلك إعادة النظر في آليات حق الفيتو التي تمنع تنفيذ العدالة الدولية".
وأوضحت أن محاسبة رؤساء الدول أو القادة السياسيين الذين يرتكبون جرائم حرب وإبادة جماعية، وفرض عقوبات قانونية صارمة بحقهم "تشكل خطوة رادعة تمنع تكرار الانتهاكات وتحمي المدنيين والأقليات". كما يجب أن "تتعاون جميع الدول في تسهيل وصول المنظمات الدولية إلى مناطق النزاع لجمع الأدلة والإثباتات الضرورية للمحاكمات".
وأشارت إلى أن القانون الدولي، من خلال اتفاقيات جنيف، روما وفيينا، يوفر الأساس لمحاسبة كل من ارتكب جرائم ضد الإنسانية "المجتمع الدولي ملزم بضمان تنفيذ هذه القوانين، وحماية المدنيين، واستعادة حقوقهم، وإثبات أن العدالة الدولية قادرة على فرض القانون حتى ضد أقوى الدول".
وبينت إن محاسبة مرتكبي الجرائم، ورفع الحصانات السياسية التي تحمي القادة المتورطين، وتسهيل وصول المنظمات الدولية لجمع الأدلة والإثباتات "ليست خيارات بل واجبات ملزمة على كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وعلى مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الحقوقية الدولية. إن التأخر في التحرك أو التهاون في تطبيق القانون الدولي يعرض المدنيين لمزيد من الخطر، ويفتح الباب أمام تفاقم النزاعات، وانتشار الجماعات الإرهابية، ويهدد الاستقرار الإقليمي والدولي بأسره".
ولضمان حماية المدنيين يجب كما تؤكد "التحرك الدولي الفوري لتطبيق الاتفاقيات الدولية، وإعادة المهجرين إلى مناطقهم بأمان، واستعادة حقوقهم في الممتلكات والأراضي والموارد الاقتصادية، بما يحقق العدالة، ومنع تكرار المجازر والانتهاكات، فالعدالة الدولية، إذا ما طبقت بحزم وصرامة، ستشكل ردعاً فعالاً لكل من تسول له نفسه المساس بحياة الأبرياء وكرامتهم".
واختتمت المحامية ندى ملكي حديثها قائلة إن الوضع في سوريا والمناطق المتضررة يشكل تحدياً فريداً للعدالة الدولية والقانون الدولي الإنساني، وأن استمرار الانتهاكات بحق الشعب الكردي والأقليات الأخرى، بما في ذلك القتل الجماعي، التجويع، الاختطاف، والاغتصاب، يمثل انتهاكاً اصرخاً لجميع القوانين والاتفاقيات الدولية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة.