البرلمان الجزائري بلا نساء... أزمة تمثيل أم أزمة أحزاب؟

يبرز حضور المرأة في البرلمان الجزائري بين مكاسب تشريعية مهمة وتحديات بنيوية تعيق وصولها إلى مواقع القيادة، حيث تكشف التجارب البرلمانية المتعاقبة عن نضال نسوي مستمر لتعزيز التمثيل والتأثير داخل المؤسسات المنتخبة.

رابعة خريص

الجزائر ـ مع اقتراب نهاية العهدة الحالية للبرلمان (2021 ـ 2026)، وقبل نحو شهرين فقط من الانتخابات البرلمانية القادمة، تتعدد الأسئلة الملحة حول الإنجازات التي حققتها المرأة داخل مبنى المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري)؟ وهل استطاعت النائبات البرلمانيات إحداث الفارق داخله رغم ضآلة عددهن مقارنة بالرجال؟ وما هي العقبات التي اعترضت طريقهن؟

"قلة العدد لا تعني قلة التأثير"، هكذا استهلت النائبة بالمجلس الشعبي الوطني والعضوة الدائمة في الاتحاد البرلماني الإفريقي زكية بوقطوشة حديثها حول إنجازات المرأة داخل البرلمان الجزائري، وقالت إنه "على الرغم من قلة العدد إلا أن النضال النسوي البرلماني كان حاضر بقوة سواء من خلال المبادرات التشريعية أو من خلال ممارسة مهام المساءلة والاستجواب وحضور المداولات على مستوى اللجان الدائمة بالهيئة التشريعية".

وشهد البرلمان الجزائري خلال العهدة التشريعية التاسعة انخفاضاً كبيراً في التمثيل النسوي، إذ تراجعت حصة النساء إلى 32 مقعداً فقط من أصل 407 مقاعد بعد أن كان عددهن يفوق الـ 100 في برلمانات سابقة مثل برلمان (2012 و2017).

ووفق زكية بوقطوشة "تبوأت البرلمانية الجزائرية مناصب سياسية مثل منصب نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني مرتين خلال العهدة الحالية، كما ترأست اللجان الدائمة مرتين متتاليتين وهما لجنة النقل والمواصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية ولجنة الشؤون الاقتصادية والتنمية والصناعة والتخطيط، لكن يبقى هذا التمثيل غير كاف".

 

حضور غير كاف

ولا يزال تمثيل المرأة غير كاف على مستوى المناصب القيادية في البرلمان الجزائري وحتى في المناصب الحكومية، وتقول زكية بوقطوشة إن "حضور المرأة في مناصب البرلمان هو انعكاس لتراجع حصتها في الهيئة التشريعية، فعدد نائبات الفترة التشريعية التاسعة لا يتجاوز 32 نائبة كلهن عضوات على اللجان الدائمة البالغ عددها 11 لجنة وحتى أنها حاضرة على مستوى لجان الصداقة البرلمانية مع اللجان والجمعيات مع المجالس النيابية المماثلة في جميع دول العالم"، ولهذا ترى أن "نظام الحصص يعتبر آلية فعالة لضمان تمثيل عددي معتبر للمرأة داخل الهيئة التشريعية (لجان، قيادة، تشريع)".

وتصف هذا الحضور بـ "النوعي بالنظر إلى عدد المناصب التي تبوأتها البرلمانية الجزائرية خلال هذه العهدة"، وذكرت على سبيل المثال "رئاستها للجنة الاقتصادية على مستوى البرلمان الإفريقي ولجنة المرأة في الهيئة التشريعية ذاتها وأيضاً فوزها برئاسة لجنة النساء البرلمانيات بالاتحاد البرلماني الإفريقي، كما ظفرت بمنصب رئيسة لجنة حقوق الإنسان والمرأة والأسرة في منظمة التعاون الإسلامي".

وبالنسبة لتمثيل المرأة البرلمانية في المناصب الحكومية، فتؤكد بـ "قلة عدد النساء البرلمانيات على مستويات الحكم ووجود تحديات مستمرة في تحقيق التوازن التام من بينها استمرار بعض الذهنيات التي تربط المناصب العليا بالرجل، إضافة إلى ضعف شبكات الدعم السياسية، كما أن آليات الاختيار لا تعكس دائماً مبدأ تكافؤ الفرص".

 

تحديات

وحول أبرز التحديات والمعوقات التي واجهتها كامرأة برلمانية، تقول زكية بوقطوشة إن "التحديات في العمل التشريعي كثيرة ومتنوعة وتشمل مستويات مختلفة على سبيل المثال صعوبة التوفيق بين الأدوار والموازنة بين المهام البرلمانية المكثفة والمسؤوليات الأسرية والمنزلية، بالإضافة إلى ذلك كثرة السفر والمهام الخارجية التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من طبيعة العمل البرلماني".

وهناك تحدي آخر لا يقل أهمية عن الأول ويتمثل حسب البرلمانية زكية بوقطوشة في "النظرة التقليدية للمجتمع للمرأة التي تحصر دورها في المنزل والأسرة وفقط مما يقلل دورها كفاعل سياسي وحتى قدرتها على التأثير في صنع القرار السياسي وهي تقريباً نفس العقبات التي تعترض النساء الراغبات في خوض معترك السياسة فالبيئة السياسية والعامة والثقافية غير مرحبة".

ومن بين التحديات الأخرى، تشير إلى "محدودية شبكات الدعم والتأثير التي تكون غالباً متجذرة أكثر لدى الرجال، إضافة إلى التعرض أحياناً لأحكام مسبقة أو تقليل الجدية".

ومالت النساء البرلمانيات خلال هذه العهدة إلى إعطاء الأولوية للقضايا الاجتماعية للمرأة مثل تنامي ظاهرة الطلاق بعد سن الخمسين وما يترتب عليه من تشرد وضياع للنساء المتقدمات في السن، إذ طالبت بإعادة النظر في المادة 72 من قانون الأسرة الجزائري التي تنص على التزام الأب بتوفير سكن ملائم للحاضنة لممارسة الحضانة أو دفع  بدل الايجار إذا تعذر ذلك، وتهدف هذه المادة بالأساس لحماية مصلحة المحضون وتوفير الاستقرار له، وتتضمن هذه المادة بحسب النائبة "ثغرة لأنها تغاضت عن مصير المطلقة في سن متقدمة، فأغلبهن اليوم تواجهن مصيراً مجهولاً لأن الحضانة سقطت منهن".

 

غياب الدعم السياسي

وعن أبرز التحديات التي تواجه المرأة البرلمانية وتعيق أداء دورها السياسي بفعالية وتقييمها لتواجد المرأة في هياكل البرلمان، تقول النائبة البرلمانية فريدة غمرة التي مارست عهدتين برلمانيتين متتاليتين في مبنى البرلمان، إن "المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية الخاصة بالمرأة فالأزمة الحقيقية تتمثل في آليات التنفيذ من قبل الأحزاب".

وتوضح أن حضور المرأة في المناصب القيادية داخل البرلمان ما يزال محدوداً بشكل لافت، مؤكدة أن هذا الضعف لا تتحمل مسؤوليته إدارة المجلس بقدر ما تتحمله الأحزاب السياسية التي لا تمنح المرأة فرصاً حقيقية للظهور وتولي مواقع القرار.

وتشير فريدة غمرة إلى أنه لم تتول أي امرأة رئاسة كتلة برلمانية حتى الآن الأمر الذي "يستدعي وضع آليات فعالة تضمن تمثيلاً نسوياً في هذه المناصب، باعتبار أن المجالس المنتخبة مؤسسات ديمقراطية يختارها الشعب عبر الاقتراع المباشر لتسيير شؤونه".