أسينات بارزاني... رائدة العلم وأول امرأة حاخام في القرن السابع عشر

بفضل علمها ومكانتها الفكرية، أصبحت أسينات بارزاني واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في القرن السابع عشر، وارتبط اسمها بدور الحاخام والتعليم الديني والريادة الثقافية.

 مركز الأخبار ـ تُعد أسينات بارزاني واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في التاريخ اليهودي، إذ ينظر إليها العديد من الباحثين باعتبارها من أوائل النساء اللواتي اضطلعن بدور الحاخام في التاريخ.

وُلدت في مدينة الموصل العراقية خلال أواخر القرن السادس عشر أو مطلع القرن السابع عشر، ونشأت في بيئة علمية ودينية أتاحت لها مكانة استثنائية في زمن كانت فيه فرص التعليم والقيادة الدينية للنساء محدودة للغاية.

كانت أسينات بارزاني ابنة الحاخام صموئيل بارزاني، أحد أبرز علماء الدين في عصره ومؤسس المدرسة الدينية (يشيفا) التي شكّلت مركزاً مهماً للتعليم لدى اليهود في المنطقة. ونظراً لعدم وجود أبناء ذكور لديه، أولى اهتماماً خاصاً بتعليم ابنته، فزودها بمعارف دينية وفكرية متقدمة، مما مهد الطريق أمامها لتصبح شخصية علمية بارزة. وقد تلقت منذ صغرها تعليماً معمقاً في التوراة والتلمود والقبّالة، إلى جانب اكتسابها مهارات تفسير النصوص الدينية وتعليمها.

لم تكتف أسينات بارزاني بدور المتعلمة، بل برزت أيضاً كمعلمة ومفسّرة للنصوص الدينية. وبعد زواجها من الحاخام يعقوب مزراحي، الذي كان يدير مدرسة اليشيفا، واصلت مشاركتها الفاعلة في العملية التعليمية، وأسهمت في إعداد الطلاب وتوجيههم.

وشكّلت وفاة زوجها نقطة تحول مهمة في حياتها، إذ تولّت إدارة المدرسة الدينية بنفسها، في خطوة غير مألوفة آنذاك. فقد واصلت التدريس والإجابة عن المسائل الدينية وتقديم الإرشاد الروحي لأفراد المجتمع، وهي مهام ارتبطت تقليدياً بالحاخامات. ولهذا يرى كثير من المؤرخين أنها مارست عملياً دور الحاخام، رغم القيود الاجتماعية المفروضة على النساء في تلك الفترة.

إلى جانب مكانتها الدينية، عُرفت أسينات بارزاني بإنتاجها الأدبي والثقافي. فقد كتبت قصائد باللغة العبرية تناولت موضوعات دينية وروحية وعكست تأملاتها الفكرية وتجاربها الشخصية. وتكشف أعمالها عن ثقافة واسعة وإيمان عميق، ما جعلها تحظى بمكانة متميزة ليس فقط كعالمة دين، بل أيضاً كشخصية أدبية وثقافية.

ومن الناحية الاجتماعية، تمثل سيرة أسينات بارزاني نموذجاً بارزاً لقدرة المرأة على تجاوز القيود المفروضة عليها وإثبات حضورها في مجالات العلم والقيادة. ففي مجتمع هيمن عليه الرجال في المؤسسات الدينية والأكاديمية، استطاعت أن تنال الاحترام والتقدير بفضل علمها وكفاءتها، وأن تتبوأ موقعاً قيادياً مؤثراً.

ورغم مرور قرون على رحيلها، ما تزال أسينات بارزاني حاضرة في الذاكرة التاريخية والثقافية، سواء في التاريخ اليهودي عموماً أو في تراث اليهود الكرد خصوصاً. كما تُستحضر سيرتها في النقاشات المعاصرة المتعلقة بدور المرأة في المؤسسات الدينية ومواقع القيادة.

وتبقى أسينات بارزاني مثالاً لامرأة تجاوزت حدود عصرها، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة في ميادين المعرفة والتعليم والقيادة، لتصبح رمزاً للإرادة والعلم والريادة.