الحرية "أماركي"... المعنى التاريخي لـ "العودة إلى الأم"

لفهم التطور التاريخي لبلاد الرافدين وإسهاماته في الحضارة الإنسانية، تكتسب الألواح المسمارية أهمية خاصة، فهذه النصوص السومرية لا توثق الجوانب الاقتصادية والإدارية فحسب، بل تكشف أيضاً عن ملامح الحياة الاجتماعية وأنظمة العدالة والبنية السياسية في ذلك العصر.

مركز الأخبار ـ يُعتقد أن أقدم وثيقة مكتوبة تُعبّر عن مفهوم "الحرية" في تاريخ البشرية وُجدت في الألواح الطينية العائدة إلى الحضارة السومرية، ويظهر هذا المفهوم في كلمة "أماركي" (Amargi أو Amagi) الواردة في الألواح التي تتحدث عن إصلاحات الملك السومري أوروكاجينا نحو عام 2350 قبل الميلاد.

تتكون كلمة "أماركي" من مقطعين سومريين: "أما" (ama) وتعني "الأم"، و"كي" (gi) وتعني "العودة" ولذلك يُترجم معناها الحرفي إلى "العودة إلى الأم"، ومع مرور الزمن اكتسبت الكلمة دلالات رمزية أوسع، فأصبحت تشير إلى الحرية واستعادة الحقوق والعودة إلى الاستقلال.

 

إصلاحات سبقت عصرها

شهدت المدن السومرية صراعات طويلة حول مصادر المياه والأراضي الزراعية، وتُعد الوثائق المكتوبة المتعلقة بهذه المرحلة من أقدم السجلات المعروفة عن الحرب والسلم في التاريخ الإنساني.

وفي هذا السياق، ينظر المؤرخون إلى الإصلاحات التي نفذها الملك أوروكاجينا في مدينة لكش بوصفها من أقدم الإصلاحات الاجتماعية المعروفة في العالم.

فقد حكم أوروكاجينا نحو عام 2350 قبل الميلاد، وفي ظل الأعباء الضريبية الثقيلة وانتشار الفساد، اتخذ سلسلة من الإجراءات لتحسين أوضاع السكان، وتشير المصادر إلى أن هذه الإصلاحات تضمنت إلغاء بعض الديون، والحد من الممارسات الجائرة، وإعادة الحرية لأشخاص كانوا قد وقعوا في أوضاع أشبه بالعبودية بسبب الديون أو الاستغلال.

وتذكر الألواح السومرية أن هذه الإجراءات أعادت إلى مدينة لكش حالة من "الأماركي"، أي "العودة إلى الأم"، بمعنى استعادة الحرية والحقوق.

 

رمز الحرية الأول في التاريخ

لهذا السبب تُعد كلمة "أماركي" أول مصطلح مكتوب معروف يُستخدم للدلالة على مفهوم الحرية في تاريخ البشرية، وما زالت العلامة المسمارية السومرية التي تمثل هذه الكلمة تُستخدم حتى اليوم رمزاً للحرية لدى بعض الحركات والتيارات الفكرية التحررية في أنحاء مختلفة من العالم.

أما الألواح التي توثق إصلاحات أوروكاجينا، فيُحفظ جزء منها حالياً في متحف اللوفر، حيث تُعرض ضمن المقتنيات الأثرية التي توثق بدايات الفكر القانوني والاجتماعي في الحضارات القديمة.