الأخوات برونتي... عائلة قاومت العزلة والفقدان من خلال الكتابة
حوّلت الأخوات برونتي العزلة والفقدان والمرض والقيود الاجتماعية إلى أدب خالد، وتركن إرثاً أدبياً لا يزال يؤثر في القرّاء ويلهمهم عبر أجيال حتى يومنا هذا.
مركز الأخبار ـ في قرية "هاوورث" الواقعة في يوركشاير شمال إنكلترا، نشأت شارلوت وإميلي وآن برونتي في منزل والدهن، القس باتريك برونتي، إلى جانب شقيقهن برانويل.
واجهت الأسرة ظروفاً صعبة بعد وفاة والدة الشقيقات، ماريا برانويل برونتي. كما توفيت الأختان الأكبر سناً، ماريا وإليزابيث، بسبب المرض خلال طفولتهما. وهكذا أصبح الموت والفقدان جزءاً مبكراً من حياة الأسرة.
وكان المنزل محاطاً أيضاً ببيئة طبيعية قاسية، تمثلت في المساحات الريفية الشاسعة، والأراضي البرية المغطاة بالمروج، والطقس البارد والممطر، والعزلة الاجتماعية. وفي خضم هذه البيئة، اتسع خيال الأخوات، وبدأ عالمهن الأدبي في التشكل.
من العزلة إلى الأدب
لم تكن الحياة الأدبية سهلة بالنسبة إلى النساء في إنكلترا الفيكتورية. فقد كانت فرص النساء في التعليم والعمل والنشر محدودة، بينما كان عالم الأدب يهيمن عليه الرجال إلى حد كبير.
ومع ذلك، واصلت الأخوات الكتابة. وعندما قررن نشر أعمالهن الأولى عام 1846، استخدمن أسماء مستعارة أخفت جنسهن:
ـ شارلوت برونتي: كيرر بيل
- إميلي برونتي: إليس بيل
- آن برونتي: أكتون بيل
كان استخدام الأسماء المستعارة وسيلة للتغلب على الأحكام المسبقة الموجّهة ضد الكاتبات، والسماح لأعمالهن بأن تُقرأ بعيداً عن الافتراضات المسبقة المتعلقة بجنس المؤلف.
ثلاث روايات صنعت إرثاً خالداً
سرعان ما كشفت أعمال الأخوات عن ثلاث أصوات أدبية متميزة. كتبت شارلوت برونتي رواية جين إير (Jane Eyre)، وهي رواية قدمت بطلة نسائية مصممة على الحفاظ على كرامتها واستقلالها ومشاعرها في مواجهة القيود الاجتماعية.
أما إميلي برونتي، فكتبت روايتها الوحيدة مرتفعات ويذرينغ (Wuthering Heights). وتمزج الرواية بين العاطفة والصراع والانتقام وقسوة الطبيعة، وأصبحت لاحقاً واحدة من أبرز كلاسيكيات الأدب الإنكليزي.
وكتبت آن برونتي رواية نزيل قاعة وايلدفيل (The Tenant of Wildfell Hall)، وهي رواية تناولت قضايا اجتماعية وأخلاقية جريئة بالنسبة إلى عصرها، من بينها الزواج والعنف والإدمان وحقوق المرأة.
وعلى الرغم من أن الأخوات الثلاث نشأن في المنزل نفسه وعشن كثيراً من الظروف نفسها، فإن كل واحدة منهن طوّرت صوتاً أدبياً مميزاً وهوية فنية خاصة بها.

الرحلة إلى لندن وكشف هوياتهن
مع ازدياد نجاح الروايات، بدأ الوسط الأدبي يتساءل عن هويات أصحاب الأسماء المستعارة. بل إن بعض القرّاء والنقاد اشتبهوا في أن الأسماء الثلاثة تعود إلى كاتب واحد.
وفي عام 1848، سافرت شارلوت وآن برونتي إلى لندن للقاء ناشرهما، جورج سميث، بعد ظهور مشكلات تتعلق بهويتهما. وهناك كشفتا الحقيقة حول هويتهما. فقد كان المؤلفان الغامضان في الواقع شقيقتين من قرية ريفية نائية في يوركشاير.
أما إميلي برونتي، فكانت أكثر حرصاً على خصوصيتها، ولم تكن ترغب في التخلي عن هويتها الأدبية المستعارة.
وبعد وفاة إميلي وآن برونتي عام 1848، تولت شارلوت مسؤولية الحفاظ على الإرث الأدبي لشقيقتيها. وفي عام 1850، كشفت هويتهما الحقيقية علناً في مقدمة كتبتها لطبعة جديدة من أعمالهما.
نهاية مبكرة وإرث خالد
توفيت إميلي في كانون الأول/ديسمبر عام 1848 عن عمر يقارب الثلاثين عاماً، ثم توفيت آن في أيار/مايو عام 1849 عن عمر يناهز التاسعة والعشرين.
واصلت شارلوت برونتي الكتابة، وفي عام 1854 تزوجت آرثر بيل نيكولز، الذي كان مساعد والدها في الكنيسة. غير أن حياتها لم تستمر طويلاً بعد زواجها؛ فقد توفيت في آذار/مارس عام 1855 عن عمر يناهز الثامنة والثلاثين، أثناء الحمل، وارتبطت وفاتها بمضاعفات متعلقة بالحمل والمرض.
وعلى الرغم من قِصر حياتهن، فإن الإرث الأدبي للأخوات برونتي تجاوز ظروف حياتهن بفارق كبير. فقد حوّلن العزلة والفقدان والمرض والقيود الاجتماعية إلى أدب خالد، وأثبتن أن عالماً صغيراً ومعزولاً يمكن أن ينتج أعمالاً قادرة على تجاوز حدود الزمان والمكان.