الأبجدية السرّية للنساء نوشو (Nüshu)
نوشو (Nüshu) نظام كتابة كان يُعرف يوماً ما فقط بين النساء، وانتقل سراً عبر الأجيال، يُعاد اليوم اكتشافها بوصفها حكاية خلق النساء لصوتهن الخاص في عالم مُنعن فيه من استخدام لغتهن.
مركز الأخبار ـ القيود المفروضة على استخدام اللغات الأم في العالم لم تؤثر فقط على أساليب التواصل، بل شكّلت أيضاً الذاكرة الثقافية والهوية الاجتماعية.
على مرّ التاريخ، طوّرت المجتمعات التي تعرّضت للاضطهاد وسائل مختلفة للحفاظ على لغاتها ومجالات تعبيرها؛ وأحياناً مهّدت هذه الجهود لظهور أنظمة تواصل جديدة، وفي هذا السياق، تبرز نوشو كأحد الأمثلة اللافتة، إذ ظهرت في فترة تم فيها إقصاء النساء من لغتهن الأم، لتصبح شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية والتضامن.
لغة النساء
تُعرف نوشو بأنها من الأنظمة الكتابية النادرة في العالم التي يُعتقد أنها استُخدمت حصرياً من قبل النساء، ويُقدّر أن جذورها تعود إلى ما لا يقل عن ألف عام، ويُطلق عليها أيضاً "كتابة النساء" أو "أبجدية النساء"، نشأت هذه الكتابة في جنوب غرب مقاطعة هونان في الصين، حيث ظهرت أولاً بين النساء في المناطق الريفية، ثم انتشرت لاحقاً إلى المدن، وتمتاز ببنية كتابية خاصة، استُخدمت لكتابة القصائد والأغاني ونصوص متنوعة.
وسيلة تواصل سرّية
ظهرت نوشو في فترات تاريخية كانت فيها النساء مُهمَّشات من التعليم وتواجهن قيوداً صارمة في الحياة الاجتماعية، وكانت بمثابة وسيلة تواصل سرّية مكّنتهن من التعبير عن مشاعرهن ومشاركة معاناتهن وعلاقاتهن، وقد صُمّمت هذه اللغة بحيث لا يستطيع الرجال فهمها، وانتقلت عبر الأجيال وبين النساء فقط، وظلّت لفترة طويلة طيّ الكتمان.
تقليد الأخوّة النسائية
ارتبطت هذه الثقافة أيضاً بتقليد يُعرف بـ "الأخوّة الأبدية"، حيث كانت النساء يُنشئن روابط عميقة تدوم مدى الحياة مع نساء أخريات لا تجمعهن بهن صلة دم، وكنّ يشاركن معاً في المهرجانات، ويُعدِدن الحِرف اليدوية، ويؤلفن الأغاني للتعبير عن مشاعرهن.
ونظراً لانتقال النساء بعد الزواج إلى قرى أخرى، وما يترتب على ذلك من فراق، ازدادت الحاجة إلى وسيلة للتواصل، مما أسهم في نشوء لغة كتابة مشتركة، وهكذا، وُلدت نوشو من رغبة النساء في الوصول إلى بعضهن والتعبير عن مشاعرهن، وتشير بعض المعتقدات التقليدية إلى أنه عند وفاة امرأة تعرف هذه الكتابة، كان يتم إتلاف كتاباتها ومقتنياتها.
اكتشاف بالصدفة
ظلّت هذه اللغة السرّية مجهولة إلى أن اكتُشفت بالصدفة في أواخر القرن العشرين على يد صانعة الأفلام يانغ يوي تشينغ (Yang Yueqing)، وقد ساهم فيلمها الوثائقي الصادر عام 1999 بعنوان "Nushu: A Hidden Language of Women in China" أي "نوشو: اللغة السرّية للنساء في الصين"، في التعريف بهذه الثقافة عالمياً، ولاحقاً، أُنجزت معاجم تضم مفردات نوشو ومقابلاتها في اللغة الصينية.
تشبه نوشو بصرياً رموز الهانزي الصينية، لكنها تمتاز بأسلوب كتابة أكثر إنسيابية وزوايا حادة، وقد استُمدّ بعض رموزها من الصينية، في حين أن بعضها الآخر أُنشئ بشكل فريد، وفي الوقت الحاضر، تستمر الجهود للحفاظ على هذه الثقافة من خلال منصات رقمية ومواد تعليمية وأشخاص يعملون على تعليم هذا النظام الكتابي.
