تتعلّم الكردية مع طفلها لمواجهة سياسات الإنكار
تواصل شهربان كاجاك تعلّم اللغة الكردية إلى جانب طفلها، في مواجهة سياسات الطمس اللغوي والضغط التي أثّرت على قدرتها في إتقان لغتها الأم، وتؤكد ضرورة إدراج التعليم بالكردية في المدارس باعتباره خطوة أساسية لحماية اللغة وضمان حق الأطفال في التعلم بلغتهم.
مميهان هلبين زيدان
وان ـ يستمر الغضب الشعبي في تركيا تجاه تهميش اللغة الكردية في المجال العام لسنوات طويلة، وحرمانها حتى اليوم من أي وضع رسمي داخل النظام التعليمي، بينما يواصل الشعب الكردي نضاله من أجل حقه في التحدث بلغته الأم.
يرى الكرد أن حصر لغتهم داخل حدود المنازل يهدد باندثارها، مؤكدين أن الحفاظ عليها يتطلب حضورها في الحياة العامة وجعلها لغة مرئية ومتداولة. لذلك تتواصل المطالب بمنحها مكانة رسمية في مجالات متعددة، من التعليم باللغة الأم إلى الخدمات المحلية. وفي ظل استمرار مسار السلام وبناء مجتمع ديمقراطي، يعتقد كثيرون أن الخطوات الأولى يجب أن تبدأ من الاعتراف باللغة.
وتتقدم النساء الصفوف في هذا النضال الممتد منذ عقود. فالأمهات يحرصن على التحدث بالكردية مع أطفالهن وغرس الوعي اللغوي فيهم. ومن بينهن شهربان دورميش كاجاك (31 عاماً)، التي تسعى إلى تربية طفلها بلغته الأم. ورغم أنها لا تتقن الكردية بطلاقة نتيجة السياسات التي أبعدتها عن لغتها، فإنها تتعلمها اليوم جنباً إلى جنب مع طفلها البالغ ثلاث سنوات.
"لغتي الأم هي حاملة آلامي وأفراحي"
وطلبت شهربان دورميش كاجاك الإذن قبل بدء حديثها لأنها ستتحدث بالتركية، مؤكدة أن عجزها عن التعبير عن نفسها بالكردية يمثّل نقصاً مؤلماً بالنسبة لها. وأشارت إلى أنها تتلقى دروساً تعليمية لتصل إلى مستوى يمكّنها من التحدث بلغتها الأم "اللغة الأم هي الرابط الأول الذي يبنيه الإنسان مع العالم، والوسيلة التي يعبّر بها عن مشاعره بأعمق صورة".
وترى أن اللغة الأم تشكّل حجر الأساس للهوية، والمساحة التي تكون فيها الأفكار أكثر تحرراً. فالإنسان، كما تقول، يشعر بقوة وراحة أكبر عندما يتحدث بلغته الأصلية، لافتةً إلى أن الكردية بالنسبة لها، وللملايين غيرها، ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء يحمل الثقافة والتاريخ والتهويدات والقصص، كما يحمل الألم والفرح معاً. ولذلك فإن فقدان اللغة الأم يشبه فقدان جزء من الذات.
"يجب أن يتعلم الطفل لغته الأم أولاً"
وشددت شهربان دورميش كاجاك على أهمية تنشئة الأطفال بلغتهم الأم، موضحة أنها "في طفولتي، عندما كنت عالقة بين لغتين، كنت ألاحظ أحياناً أنني لا أستطيع التعبير عن مشاعري بوضوح. وعندما أصبحت أماً واطلعت على الأبحاث العلمية، قررت أن أربي طفلي بلغته الأم. يجب أن يتعلم الطفل لغته الأم أولاً، لأن هذه المرحلة هي الأسرع في تطور اللغة، وإذا لم تُرسَّخ فيها أسس اللغة الأم يصبح الأمر أصعب لاحقاً. ومع ازدياد هذا الوعي، أصبحت أكثر تمسكاً بلغتي، وحرصت على أن يشعر طفلي بالراحة عند التحدث بالكردية".
وتؤكد أن تربية الأطفال بلغتهم الأم تحمل فوائد علمية واضحة، إذ يكتسب الأطفال الذين يتعلمون بلغتهم الأصلية قدرات أعلى في الفهم والقراءة والاستيعاب وحل المشكلات. كما يتعلمون اللغة الثانية بشكل أكثر ثباتاً وصحة، ولا يعانون من شعور بالدونية أو انفصال عن ثقافتهم، مما يعزز لديهم إحساساً أقوى بالذات.
وأشارت إلى أن العديد من الأبحاث العالمية، بما فيها دراسات اليونسكو، تؤكد أن التعليم باللغة الأم يرفع مستوى النجاح الأكاديمي خلال السنوات الست الأولى، وأن الطفل الذي ينشأ بلغته الأم يستطيع بناء روابط أعمق مع والديه والتعبير عن مشاعره بسهولة أكبر، مما ينعكس إيجاباً على صحته النفسية "الأفراد الذين يتقنون لغتهم الأم ولغة ثانية يكونون أكثر تفوقاً في الحياة المهنية والاجتماعية والثقافية. الطفل الذي يمتلك لغة أم قوية يستطيع أن يحمل عالمين معاً دون أن يفقد جذوره أو يشعر بالغربة عن المجتمع الذي يعيش فيه".
"أتواصل مع طفلي بالكردية فقط"
وأوضحت شهربان دورميش كاجاك أنها تتواصل مع طفلها بالكردية حصراً، مؤكدة أهمية استخدام اللغة الأم في مختلف لحظات الحياة اليومية مع الأطفال، سواء أثناء اللعب أو سرد القصص أو غناء التهويدات "الطفل سيتعلم اللغات الأخرى في المدرسة على أي حال. ومن المهم أيضاً توفير كتب وأغانٍ وأفلام وقصص كردية إن أمكن، خصوصاً أن الوصول إليها أصبح أسهل بكثير في عصر الإنترنت. وعندما يبدأ الطفل المدرسة، يجب أن نستمر في استخدام اللغة الأم في المنزل بالطريقة نفسها. يمكن أيضاً الاجتماع مع عائلات كردية أخرى ليلعب الأطفال ألعاباً كردية. ومن خلال القراءة نطوّر أنفسنا ونغني مفرداتنا، مما يجعلنا نموذجاً لغوياً أفضل لأطفالنا"، مشددة على ضرورة غرس حب اللغة الأم بالود والاستخدام الطبيعي، لا بالعقاب أو الإكراه.
وتؤكد على أن التعليم بالكردية حق أساسي، موضحة أن التعلم باللغة الأم يمنح الطفل أفضل فرصة لاكتساب المعرفة. وتستشهد بتجارب دول مثل سويسرا وكندا وفنلندا التي تطبق التعليم متعدد اللغات بنجاح.
وأشارت إلى أن الكردية هي اللغة الأم لملايين الأطفال في تركيا، ما يجعل تعزيز استخدامها في المجتمع وزيادة الإنتاج الثقافي بها خطوة ضرورية نحو الاعتراف الرسمي، معتبرة أن الحفاظ على اللغة الكردية في المنازل من خلال الكتب والمجلات والمسرح والأغاني يمثل الأساس الأول.
كما ترى أن زيادة التعليم باللغة الأم ضمن الأطر القانونية والدستورية مسألة مهمة تربوياً وديمقراطياً، وهي في جوهرها حق إنساني، وأي طفل لا ينبغي أن يواجه التمييز أو النقص بسبب لغته الأم، فذلك يصب في مصلحة الفرد والمجتمع معاً.