تصاعد جرائم قتل النساء يثير قلق المجتمع المدني في تونس
شهدت تونس خلال شهرين فقط مقتل خمس نساء، وهو ما أثار قلقاً واسعاً في أوساط المجتمع المدني، وأعاد طرح التساؤلات حول فعالية آليات الحماية القانونية للنساء.
زهور المشرقي
تونس ـ رغم جهود التوعية التي تبذلها منظمات المجتمع المدني، تبقى الإمكانيات محدودة ولا تسمح بالوصول إلى جميع النساء المعنفات، حيث تنشأ بعض الضحايا في بيئات يتطبع فيها العنف ويعتبر أمراً مألوفاً. كما تتردد كثير من النساء في التبليغ خوفاً من الوصم الاجتماعي أو العار الذي قد يلحق بمن "تتجرأ" على مقاضاة زوجها أو والدها أو شقيقها.
العنف يتحول إلى قتل
بعد شهرين فقط على بداية العام، قتلت خمس نساء في تونس، معظمهن على يد شركاء حميميين، في جرائم يصنفها نشطاء ضمن ما يُعرف بجرائم قتل النساء. ورغم خطورة هذه الجرائم، لم يعترف القانون التونسي بعد بهذا النوع من القتل كجريمة قائمة بذاتها تُرتكب ضد النساء، في سياق يقوم على الاستضعاف والاستهداف على أساس النوع الاجتماعي.
نددت جمعية "أصوات نساء" بهذه الجرائم، معتبرة أنها نتيجة لما وصفته بفشل الحكومة والسياسات العامة في توفير الحماية الكافية للنساء. وترى الجمعية أن هذه الوقائع لا يمكن اختزالها في "خلافات أسرية"، بل هي جرائم قتل تكشف حجم العنف المسلط على النساء حتى داخل الفضاء الذي يفترض أن يكون الأكثر أماناً لهن، وهو المنزل.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه تونس تحت وقع صدمة جريمة حديثة شهدتها ولاية أريانة، في الضاحية الكبرى للعاصمة، حيث قُتلت امرأة يوم 7 آذار/مارس الجاري على يد زوجها.
من جهته، أكد المرصد الوطني لمكافحة العنف ضد المرأة في تونس مؤخراً أن العنف ضد النساء يشهد ارتفاعاً، خاصة خلال بعض الفترات مثل المواسم الاحتفالية والعودة المدرسية والأعياد. غير أن جمعيات نسوية تشدد على أن العنف لا يرتبط بمناسبات محددة، بل هو سلوك يومي تعيشه العديد من النساء في المجتمع.
وفي هذا الإطار، تقول الناشطة النسوية وسيلة المليكي، إن العنف الذي تتعرض له النساء في تونس يبدأ في كثير من الأحيان داخل الفضاء الخاص والعائلة، موضحة أن الفتاة قد تكبر في بيئة أسرية يمارس فيها العنف الرمزي، وتُعامل بتمييز يرسخ لديها فكرة أن هذا السلوك أمر طبيعي.
وتضيف أن التنشئة الاجتماعية تساهم في إعادة إنتاج هذه الأنماط، حيث تُربّى الفتيات وفق أدوار اجتماعية تقليدية، ويجدن في المدرسة أيضاً محيطاً يعيد إنتاج نفس التصورات المرتبطة بالهيمنة الذكورية، سواء في أنماط اللعب أو في التوقعات السلوكية. وترى أن هذا المسار يخلق نوعاً من التسامح غير الواعي مع العنف، ويؤدي إلى تطبيع غير مرئي مع هذه الظاهرة.
وأشارت إلى أن تلك التربية تستبطن العنف فتجد الشابة نفسها حين تتزوج تختار الشخص الخطأ "تختار الشريك الذي يشبه والدها وأخيها، وحين تُعنف تعتبر أن الأمر عادياً لأنها عُنفت ولا ترى في ذلك خطأ".
وأكدت أنه حتى الدراما التونسية تظهر آفة العنف ضد النساء وجرائم القتل والرفض وكأنها قصص حب وغيرة عادية يجب التصفيق لها والتهليل لها خاصة وأنها عرضت الجرائم دون تنديد أو تنويه بخطورتها بل تعللها وتجد لها التبرير.
وقالت إن هذا العنف يتحول بسرعة إلى جريمة قتل، مشيرة إلى خطورة استمرار هذه الجرائم دون ردع حقيقي برغم القانون 58 الصادر عام 2017، لمجابهة كافة أشكال العنف ضد النساء، وعللت أن القتل ليس حينياً هو نتاج تعنيف يبدأ منذ الصغر ويستبطن ويُقبل اجتماعياً بل يُطبع معه.
وتحدثت عن ارتفاع حالات العنف والقتل ضد التونسيات خلال السنوات الأخيرة، حيث قتلت 30 امرأة خلال العام الماضي، أغلبهن على يد شريك حميمي زوج أو أحد أفراد الأسرة وهذا أمر خطير في بلد كانت سباقة في سن قانون نوهت له الأمم المتحدة ووصفته بالمتميز لمكافحة العنف.
ودعت الناشطة النسوية وسيلة المليكي الأمهات إلى تعليم بناتهن ورفض العنف الممارس ضدهن منذ الصغر، وعدم القبول به أو ممارسته عليهن داخل الأسرة، حتى لا يستبطن هذا السلوك ويعتبرنه أمراً عادياً أو طبيعياً في التعامل مع النساء. مؤكدة أن نشر الوعي يظل خطوة أساسية للقطع مع هذه الانتهاكات، ولمواجهة العنف الذي قد يتطور في بعض الحالات إلى القتل.