ثماني سنوات من الصحافة ومسيرة لا تتوقف

الميكروفون في يد، وابنتها الصغيرة في اليد الأخرى؛ مشهد يلخص يوميات الصحفية في قناة روناهي TV، هبة فتيح، التي أمضت ثماني سنوات في العمل الإعلامي، تحاول خلالها الموازنة بين شغفها بالصحافة ومسؤولياتها كأم، حاملةً معها إلى الميدان مهنتها وطفلتها في آن واحد.

رونيدا حاجي

الحسكة ـ يُعد الإعلام أحد أبرز المجالات التي توثق تفاصيل الحياة وتنقل صوت الناس إلى الرأي العام، وتسلط الضوء على مشكلاتهم وآلامهم وتجاربهم، وفي هذا المجال فرضت النساء حضورهن، ولا سيما في الصحافة الميدانية، التي تتطلب حضوراً دائماً في قلب الأحداث وقدرة على التعامل مع ظروف مختلفة.

ومن بين هؤلاء الصحفيات هبة فتاح، المولودة عام 1997 في مدينة الطبقة، والمقيمة حالياً في مدينة الحسكة، تعمل هبة فتيح في مجال الصحافة منذ ثماني سنوات، وخلال هذه الفترة واكبت قضايا المجتمع في مناطق عدة من شمال وشرق سوريا، حيث وثّقت أوضاع السكان وتحدياتهم ومعاناتهم، وسعت إلى نقل أصواتهم وقضاياهم إلى الرأي العام.

وإلى جانب عملها الصحفي، تخوض هبة فتيح تجربة أخرى لا تقل مسؤولية فهي أم لثلاثة أطفال، وتحاول أن توازن بين المهنة التي اختارتها عن حب وبين مسؤوليات الأمومة، وفي كثير من الأحيان ترافقها ابنتها الصغيرة "ميلا" إلى ميدان العمل، لتصبح الطفلة جزءاً من تفاصيل يومها الصحفي.

 

الصحافة جزء من الحياة

على مدى ثماني سنوات، عملت هبة فتاح في مجالات سياسية واقتصادية مختلفة، لكنها لا تنظر إلى الصحافة باعتبارها مجرد مهنة أو وظيفة، بالنسبة إليها الصحافة تعني أن تكون قريبة من الناس، وأن ترى تفاصيل حياتهم، وتنقل قضاياهم وأصواتهم إلى الرأي العام.

وتقول "بعد هذه السنوات الثماني من الخبرة والتجربة، لا أستطيع أن أرى نفسي في مجال آخر، يمكنني أن أعمل في أي مجال، لكنني أرى نفسي بين الناس، وفي مجال الصحافة وبين قضايا المجتمع، بالنسبة إلي هذا العمل ليس مجرد مهنة، بل هو جزء من حياتي".

عملت هبة فتيح خلال مسيرتها في الطبقة والرقة ودير الزور ومنبج ودير حافر ومسكنة، إلى جانب العديد من القرى. وكانت، بصورة خاصة، قريبة من أهالي الطبقة لنحو سبع سنوات، حيث وثقت حياتهم اليومية، وآلامهم، وأنشطتهم، وثقافتهم وعاداتهم.

كما عملت في مناطق شهدت الحرب والهجمات، ووثقت بالصورة والكلمة ما جرى فيها، وشاركت في أنشطة مجتمعية مختلفة، إلى جانب عملها مع النساء وتسليط الضوء على تجاربهن وآلامهن وإنجازاتهن.

 

       

"تحديات الصحفيات أشبه بمعركة"

وتشير إلى إن طريق الصحفيات في المجال الإعلامي ليس خالياً من الصعوبات، وإن النساء يواجهن تحديات اجتماعية ومهنية متعددة، خصوصاً في البيئات التي لم يكن فيها حضور المرأة في مجال الصحافة أمراً مألوفاً "لقد خطت الصحفيات خطوات كبيرة في هذا المجال، وأثبتن مكانتهن في المجتمع، نحن نعمل في مجتمع لم يكن يتقبل بسهولة وجود النساء كصحفيات في السابق ولا سيما في المجتمع العربي، لكن المرأة اليوم تؤدي دوراً مهماً  في مجال الإعلام، وتثبت وجودها من خلال العمل الذي تقوم به".

وترى هبة فتيح أن العمل الإعلامي يتطلب من الصحفية القوة والإصرار والقدرة على الاستمرار، خصوصاً عندما تتقاطع طبيعة العمل مع عوائق اجتماعية وسياسية "أحياناً ينظر بعض الأشخاص بشكل مختلف إلى المرأة التي تخرج إلى ميدان العمل وهي تحمل كاميرا أو ميكروفوناً، وهناك أشخاص يرفضون إجراء مقابلات معهم. أرى كل هذه الأمور ضمن التحديات التي تجاوزناها خلال السنوات الثماني الماضية، بالنسبة إلي هذا يشبه جزءاً من المعركة التي يتعين على الصحفيات خوضها في مجال العمل".

 

بين العمل والأسرة

لا يرتبط العمل الصحفي الميداني بالنسبة إلى هبة فتيح بساعات دوام محددة؛ فالصحفي قد يُستدعى في أي وقت، وعليه أن يكون مستعداً لمتابعة الأحداث والتطورات والقضايا التي تهم المجتمع.

ومن هنا، لم يكن الجمع بين العمل الميداني ومسؤوليات الأسرة أمراً سهلاً بالنسبة إليها، خصوصاً مع وجود ثلاثة أطفال "يمكن لطفلين من أطفالي الذهاب إلى المدرسة أو رياض الأطفال، أو البقاء مع العائلة عندما أكون في العمل. أما ميلا، التي تبلغ الآن عاماً وشهرين، فهي تكاد تكون دائماً معي. ولذلك فإن تحقيق التوازن بين العمل ومسؤولية الأمومة بالنسبة إليّ هو موضوع نضال".

 

ميكروفون في يد وميلا في اليد الأخرى

تتمثل إحدى أبرز التحديات التي تواجهها هبة فتيح اليوم في التوفيق بين عملها الصحفي وحضور طفلتها الصغيرة معها في الميدان. فقد تجد نفسها طوال اليوم على الطرقات، وفي الأسواق، والفعاليات، والمسيرات، والاجتماعات والبرامج المباشرة، وفي الوقت نفسه مسؤولة عن رعاية طفلتها.

وفي كثير من تلك المواقف، تكون ميلا برفقة والدتها في ميدان العمل "أحياناً عندما أجري مقابلة أو أقدم برنامجاً على الهواء مباشرة، تكون ميلا في إحدى يدي والميكروفون في اليد الأخرى. وفي بعض الأحيان يساعدني المصورون أو الأشخاص الموجودون في مكان الحدث".

ورغم صعوبة التنقل والعمل برفقة طفلة صغيرة، اختارت هبة فتيح أن تصطحب ميلا معها، لأنها لا تريد أن تكون ابنتها بعيدة عنها، بل تريدها أن تكبر وهي ترى حياة والدتها وتفهم طبيعة العمل الذي اختارته "لا أريد أن تبقى ميلا بعيدة عني، أريدها أن تكبر إلى جانبي وأن ترى حياتي، لذلك ورغم كل الصعوبات اصطحبها معي أينما ذهبت".

 

لا تريد الابتعاد عن عملها ولا عن مسؤوليات الأمومة

تؤكد هبة فتيح أن حبها للصحافة وارتباطها بقناة روناهي TV يشكلان دافعاً أساسياً للاستمرار في هذا الطريق، رغم ما واجهته من صعوبات خلال السنوات الماضية "بعد ثماني سنوات من العمل وتجاوز الكثير من الصعوبات، لا أستطيع التخلي عن عملي. إذا تركته، فسأشعر وكأنني عدت إلى نقطة البداية أنا أحب عملي، ولا أريد أن يكون هذا الحب سبباً في ابتعادي عن أطفالي".

وتحاول الحفاظ على توازن بين عملها وأطفالها وحياتها الأسرية، وترى أن الصعوبات التي تواجهها هي جزء من الطريق الذي اختارته "كل صعوبة أتجاوزها في هذا الطريق هي بالنسبة إليّ، ثمن الشيء الذي أحبه، أنا أحب عملي، وأريد في الوقت نفسه أن أكون أماً لأطفالي".

 

الحلم الذي تريد أن تتركه لأطفالها

لا تريد هبة فتيح أن تقتصر تجربتها على كونها قصة صحفية وأم تكافح من أجل التوازن بين العمل والأسرة، بل تأمل أن تكون تجربتها درساً لأطفالها في المستقبل، وأن يعرفوا أن الصعوبات لا ينبغي أن تكون سبباً للتخلي عن الأحلام "أريد لأطفالي في المستقبل أن يعرفوا أن والدتهم لم تتخلَّ عن حلمها بسبب الصعوبات يتعلم الأطفال الكثير من أمهاتهم، وأريد لأطفالي أيضاً أن يتعلموا أن الصعوبات لا ينبغي أن تكون سبباً للتخلي عن الأحلام والأهداف".

ومن بين أطفالها الثلاثة، تأمل هبة فتيح أن تختار ميلا يوماً ما طريقها الخاص، وربما أن تسلك الطريق نفسه الذي سلكته والدتها في عالم الصحافة "قد تأخذ ميلا غداً الميكروفون من يدي. فالطفلة التي توجد اليوم مع والدتها في ميدان الصحافة، قد تختار غداً طريق والدتها وتصبح صحفية".