شقيقتان فلسطينيتان تحولان الركام إلى ابتكار حُظي بجائزة الأرض الدولية

من قلب الدمار في قطاع غزة، ابتكرت الشقيقتان تالا وفرح موسى حجراً بيئياً مصنوعاً من الركام، ليصبح مشروعهما رمزاً للأمل وقدرة نساء غزة على الإبداع رغم الحرب، ويحصدان به جائزة الأرض الدولية.

رفيف اسليم

غزة ـ فازت الشقيقتان الفلسطينيتان تالا وفرح موسى، بجائزة الأرض 2026 عن منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر أكبر مسابقة وحاضنة أفكار بيئية للشباب حول العالم للفئة العمرية بين 13 ـ 19 عاماً بهدف التشجيع على ابتكار حلول بيئية عملية وفعالة على أرض الواقع، وتمنحها "مؤسسة الأرض" في مدينة جنيف.

لمعت الفكرة في ذهن تالا موسى عندما قصفت مدينتها الزهراء وسط قطاع غزة، ودمر بعدها كل شارع، وحي، ومعلم في المدينة فكان التساؤل الرئيسي الذي يدور في ذهنها كيف يمكن إعمار ذلك الخراب، بما هو متوافر من إمكانيات متاحة وبطريقة صديقة للبيئة تنقذها من الخراب الذي بات يحاوطها من كل جانب.

         


        

من الدمار إلى حجر يعيد البناء

وتقول تالا موسى إن حجر الطوب كان الخيار الأمثل المكون من الركام نفسه، فكل ما يلزم لإنتاج ذلك الحجر هو حجارة البيوت المقصوفة، والطين المستخرج من الأراضي الزراعية، والزجاج المسكر، إضافة للقش، والرماد الناتج عن الطبخ، تسحق كل تلك المكونات بعناية بالغة لتصبح وكأنها دقيق ومن ثم يضاف لها الماء لتصب في القالب ويترك لينشف.

وعن مقاومة الحجر للماء والضغط، لفتت إلى أنه أجري على الحجر عدة تجارب لقياس مدى تحمله للماء والضغط وقد كانت النتائج مرضية للغاية فالحجر قوي يحتمل كل من الماء ولا ينهار منذ اللحظة الأولى خاصة مع التقلبات المناخية، مشيرة إلى أن الحجر يصلح لترميم البيوت والأرصفة والقواطع الداخلية، وتثبيت الخيام من الطيران خلال فصل الشتاء.

لم تواجه تالا وشقيقتها، أي مشكلات خلال العمل على النموذج، لكن أدائها للتجارب خلال فترة المجاعة والحرب كان بالغ الصعوبة بالنسبة لهما، مؤكدة أن مشروعها صديق للبيئة بنسبة مائة بالمئة، فلا يحتوي على الاسمنت أو الشيد وهو في ذات الوقت يحل مشكلة بيئة قائمة وهي تواجد الركام بالأطنان وعدم توافر حل أو تصريف له، فالحجر حل مؤقت إلا أنه سيساعد المدينة المنكوبة.

وتبين تالا موسى أن الخطوة القادمة هي القيام بورشات في كافة القطاع لتعليم الشباب كيفية صناعة ذلك الحجر، بل وستلزم كل شاب بتوقع تعهد لتعليم غيره، فالهدف من المشروع ليس بناء مصانع طوب، بل مساعدة الأفراد سواء شباب أو نساء بإعادة إعمار تلك البيوت الهالكة وبداية خلق مسكن يحمي من العوامل الجوية ويحفظ كرامة الإنسان داخله.

ولا تنكر أن النساء في قطاع غزة مهمشات خاصة منذ بداية الحرب، فأتت تلك الجائزة لتثبت مدى قدرة النساء والفتيات على الإلهام والابتكار في المجتمع، فهن بطلات ويستحققن ذلك الفوز، مبينة أنها تتلقى الدعم المعنوي من الأهل والأصدقاء والإعلام "بناء المدينة سيكون على أيدي نسائها وشبابها".

         


        

إبداع يتجاوز النزوح ويصنع الأمل

بدورها تشير فرح موسى، إلى أن أجواء العمل ما بينها وبين شقيقتها كانت مليئة بالتعاون والحماس فقد تم تقسيم الأجزاء العملية من جمع الحجارة والزجاج، وصولاً للتجارب العلمية، وحتى التواصل مع لجنة المسابقة وتنفيذ ما هو مطلوب، لافتةً إلى أن النزوح والتنقل وعدم الثبات في السكن هو ما مثل العائق الوحيد فهي لا تعرف هل ستبقى أم سترحل من المنطقة.

وعن شعور الفوز، توضح أنها خلال تنفيذها لكل خطوة من الخطوات كانت تضع حلم الفوز أمام عينها، بل وتتخيل اليوم الذي ستسمع هي وشقيقتها الخبر، وما زاد من سعادتها خلال إعلان خبر الفوز أنها رفعت اسم مدينة غزة وأزالت عن كاهلها الصورة النمطية المرتبطة بالحرب والفقر والدمار، لنساء صغيرات من داخل المدينة المنكوبة يبدعن ويقدمن الأفضل.

         


        

وتضيف أن ذلك الحجر يساعد أي مدينة منكوبة دمرتها الحروب والنزاعات وليس قطاع غزة فحسب، وبناء على ذلك جاء اختيار اسم المشروع Belt Hop ليكون بمثابة بناء الأمل، لافتة إلى أن مشاركتها في جائزة الأرض أضافت لها مهارات جديدة وجعلتها تفكر في مشاريع جديدة يمكنها خدمة المدينة، خاصة أنها ما يزال لديها الكثير من الأفكار لكنها تنتظر الفرصة المناسبة.

وأشارت لجنة التحكيم في تصريح لها إلى أن الشقيقتين هما أول فائزتين إقليميتين من فلسطين منذ إطلاق الجائزة، والتي تمنح الفرق الفائزة مبلغ مالي لدعم وتطوير مشاريعها وتنفيذها، فيما سيفتح باب التصويت الجماهيري قريباً لاختيار الفائز العالمي في 29 أيار/مايو الجاري.

والجدير ذكره قدرت الأمم المتحدة أن نحو 1.9 مليون شخص في غزة، أي ما يقارب 90 في المئة من السكان، قد نزحوا منذ اندلاع الحرب عام 2023 حتى مطلع عام 2025، وقد قُدرت الأضرار في القطاع بنحو 70 مليار دولار وسط انتشار ملايين الأطنان من الأنقاض التي غطت الشوارع.