رغم الواقع المظلم نساء أفغانستان متمسكات بأمل الخلاص من طالبان

تُعدّ منطقة جهارآسياب "الطواحين الأربعة" في كابول بأفغانستان، ذات التاريخ المليء بالحروب والتطرّف، ضحية لطالبان اليوم أيضاً، حيث تواجه قيوداً واسعة، ومع ذلك، لا تزال النساء رغم الضغوط يحتفظن بالأمل في التغيير.

بهاران لهيب

كابول ـ تقع ناحية جهارآسياب المعروفة أيضاً باسم "الطواحين الأربعة" في جنوب العاصمة الافغانية كابول، وتُعدّ واحدة من نواحي ولاية كابول، وكما هو الحال في سائر مناطق أفغانستان، تعيش في هذه الناحية أعراق مختلفة، منها البشتون والطاجيك والهزارة.

بعد انقلاب 27 ـ 28 نيسان/أبريل المعروف بـ السابع من ثور عام 1978 وتدخل القوات السوفيتية، بدأت الجماعات المتطرفة، كما في بقية أنحاء البلاد، بالتغلغل في هذه الناحية، وفي هذا السياق، استغلّ قلب الدين حكمتيار، زعيم الحزب الإسلامي المعروف بلقبي "جزار كابول" و"راكتِيار"؛ الشباب غير الواعين في المنطقة بشكل كبير، وقام أتباعه بقتل المثقفين والمتعلمين، بل حتى الفتيات اللواتي كنّ يخرجن من منازلهن لمواصلة دراستهن تعرّضن لهجمات عبر رشّ الأحماض على وجوههن.

خلال فترة حكم الفصائل عام 1992، كانت القاعدة الرئيسية لحكمتيار في  جهارآسياب، وإلى جانب أعمال العنف الأخرى، منع وصول المواد الغذائية القادمة من باكستان عبر هذه المنطقة إلى باقي مناطق كابول والولايات الأخرى، كما أُطلق في أحد الأيام نحو ألف صاروخ على مدينة كابول بأمر منه من منطقة  جهارآسياب، ولهذا السبب أطلق عليه الناس لقب "جزار كابول".

ومع بداية الحكم الأول لطالبان عام 1996، دخلت هذه الناحية مرحلة جديدة من العنف، حيث كان عناصر طالبان يجبرون الشباب في الطرقات على ركوب دراجاتهم النارية وينقلونهم إلى شمال البلاد لاستخدامهم في تدمير الأراضي الزراعية والمنازل وكروم العنب الخاصة بالسكان هناك، وبعد تنفيذ هذه الأعمال، كانوا يكتبون على الجدران "فتح شباب جهارآسياب"، وقد أثارت هذه الأفعال غضب سكان المنطقة، لأنها كانت تؤدي إلى إثارة الانقسام والعداء بين مختلف قوميات أفغانستان.

في عام 2002، ومع دخول القوات الأمريكية إلى أفغانستان وتأسيس ما سُمّي بالنظام الجديد، حاولت نساء  جهارآسياب، كغيرهن من ملايين النساء الأفغانيات، تثبيت مكانتهن في الأسرة والمجتمع ومواصلة تعليمهن، لكن مع عودة طالبان إلى السلطة مجدداً عام 2022، حُرمت نساء هذه الناحية من الأمن والحرية، وأُجبرت كثيرات منهن على البقاء في المنازل.

شمسه شرف هي واحدة من معلمات المدارس في هذه الناحية، تحدثت عن تجاربها خلال فترات مختلفة وقالت "قمتُ بالتدريس لسنوات في عدة مدارس حكومية في ناحية  جهارآسياب، فبعد سقوط حكم طالبان الأول، تمكنتُ أنا وعدد من النساء الأخريات من إكمال الصف الثاني عشر في هذه الناحية، وبسبب الظروف السائدة، لم تتح لنا فرصة متابعة التعليم، لكن تم توظيفنا كمعلمات، وفي ذلك الوقت ورغم الصعوبات الكثيرة حاولنا تطوير مستوانا العلمي والتعرّف أكثر على أساليب التدريس واحتياجات المدارس".

وحالياً كما تؤكد "تم فصل عدد من المعلمات اللواتي يحملن تعليماً عالياً من قبل طالبان بحجج مختلفة، واستبدالهن بأشخاص يفتقرون إلى الكفاءة التعليمية، كما أُقيل مدراء المدارس، سواء من النساء أو الرجال، وتم تعيين أشخاص تابعين لطالبان بدلاً منهم، ونتيجة لذلك، تضرر النظام والانضباط في المدارس بشكل كبير".

وبنبرة ممزوجة بالمرارة والضحك تقول "أحياناً تكون تصرفات طالبان في المدارس مضحكة، رغم أنها مؤلمة في الواقع، مثلاً في بداية العام الدراسي، دعا مدير مدرستنا، وهو من طالبان، جميع المعلمين إلى اجتماع، وخلال الاجتماع الرسمي، وضع قدميه على الطاولة وتحدث، ومن دون مراعاة تخصصات المعلمين، قام بنفسه بتحديد المواد والصفوف لكل واحد، وبهذا الشكل، أنا التي تخصصي اللغة الدارية، أُجبرتُ في البداية على تدريس تخصص آخر، لكنني أصررتُ على تدريس تخصصي".

وتكمل بعد لحظة صمت "مؤخراً، اقترح عليّ هذا المدير أن أدرّس أيضاً اللغة الإنجليزية والبشتو، لأنه يعتقد أن هذه اللغات متشابهة مع الدارية، وعندما أوضحتُ له أن الأمر ليس كذلك، أجابني ببساطة: جميع هذه اللغات لديها قواعد نحوية!".

وتنتقد شمسه شرف أيضاً سلوك ومظهر بعض معلمي طالبان "هؤلاء الأشخاص يتحدثون مع الطلاب الذكور بألفاظ مهينة، ولا يهتمون بمظهرهم أو بانضباطهم الشخصي، وبعضهم يُظهر سلوكيات غير لائقة عند التحدث مع المعلمات، مما يسبب انزعاجاً شديداً، لذلك، لا ترغب أي معلمة في التحدث معهم".

وتضيف "قبل فترة، أعلن مدير المدرسة أنه ينوي الزواج بزوجة ثالثة، واقترح أن يختار من بين المعلمات إن كانت هناك غير متزوجة، وكان ردّنا جميعاً أننا متزوجات. متأكدة أن هذا الوضع لن يستمر، وسيأتي يوم ينهار فيه هذا الحكم أيضاً، وسيُقام نظام يكون للنساء فيه دور قيادي".

ويمكن القول إن جهارآسياب، مثل كثير من مناطق أفغانستان، تروي قصة سنوات طويلة من العنف وعدم الاستقرار والسياسات المقيّدة، ومع ذلك، وفي خضم هذه الظروف الصعبة، تواصل نساء هذه الناحية النضال بإرادة وأمل من أجل الحفاظ على هويتهن ومعرفتهن ومكانتهن الاجتماعية، وتُظهر روايات مثل قصة شمسه شرف أنه رغم كل القيود، لا يزال الأمل بالتغيير وبمستقبل أفضل حياً، وقد يكون هذا الأمل أساساً لتحولات إيجابية في المجتمع الأفغاني.