رفقة عبدالله... صحفية سودانية اخترقت خطوط النار لتوثق الانتهاكات ضد النساء

تُعدّ المرأة السودانية من أكثر الفئات التي دفعت ثمناً باهظاً للصراع الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ اندلاعه في نيسان/أبريل 2023، حيث وجدت نفسها في مواجهة موجة واسعة من الانتهاكات التي طالت جسدها وكرامتها وأمانها.

آية إبراهيم

السودان ـ في خضم الواقع القاسي الذي يعيشه الأهالي في السودان، برزت الصحفية رفقة عبدالله التي غادرت الخرطوم بعد اشتداد المعارك، لكنها لم تغادر واجبها المهني والإنساني. فبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولايتي الجزيرة وسنار، حملت رفقة كاميرتها ودفاترها، واتجهت إلى المناطق المتضررة لتوثيق ما تعرّضت له النساء والفتيات من اعتداءات ممنهجة، في رحلة محفوفة بالمخاطر، لكنها ضرورية لكشف الحقيقة وإيصال صوت الناجيات.

توضح الصحفية رفقة عبد الله أنها عملت على توثيق الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في ولايتي الجزيرة وسنار، وذلك بعد الارتفاع الكبير في حالات الاغتصاب، خصوصاً في ولاية الجزيرة التي سجلت العدد الأكبر من هذه الجرائم. وبحسب ما جمعته من تقارير صحفية وأخبار وأفلام وثائقية، فقد تم رصد أكثر من 500 حالة اغتصاب، إضافة إلى 3 وفيات و26 حالة إجهاض. مشيرة إلى أن الأعداد الحقيقية قد تكون أكبر بكثير، نظراً لصعوبة الوصول إلى بعض المناطق بسبب الوضع الأمني.

وتتحدث عن أصعب اللحظات التي واجهتها أثناء توثيق شهادات الناجيات، قائلة إنها وثقت في ولاية الجزيرة حالة أسرة تعرضت ثلاث من فتياتها، بين 13 و24 عاماً، لاغتصاب جماعي على يد قوات الدعم السريع. وتصف الوضع بأنه كان بالغ القسوة، إذ بدأت الانتهاكات بالاعتداء على الوالدين، وإطلاق النار على الأخ، وضرب الأطفال وتقييدهم. وتضيف أن الفتاة الأصغر، البالغة 13 عاماً، ورغم تلقيها العلاج النفسي والطبي مع شقيقتيها، رفضت العودة إلى المدرسة وأصبحت تعيش في عزلة تامة بسبب ما تعرضت له.

 

الآثار النفسية وضرورة دعم الناجيات

أما عن الحالة النفسية للناجيات، فتؤكد رفقة عبد الله أنها شديدة التعقيد، وأن معظمهن غير قادرات على استعادة حياتهن الطبيعية. وتعمل منظمات المجتمع المدني عبر مبادرات إنسانية وخيرية على تقديم برامج دعم نفسي للناجيات وللسكان العائدين إلى منازلهم، إلا أن عدداً من الحالات الموثقة ما زالت ترفض الاندماج في الحياة اليومية، خصوصاً الفتيات الصغيرات اللواتي يرفضن العودة إلى المدارس رغم تلقيهن العلاج النفسي من قبل منظمات متخصصة ووحدات إرشاد نفسي.

وتؤكد رفقة عبد الله على أهمية أن يكون المجتمع أكثر وعياً وقدرة على تقبّل الناجيات من الاغتصاب، مشيرة إلى أن المجتمع ما يزال في كثير من الأحيان يرفض التعامل مع الناجيات، وينظر إليهن كوصمة عار، رغم أنهن ضحايا لا يتحملن أي مسؤولية عمّا حدث. وتضرب مثالاً بحالة إحدى الناجيات التي كانت متزوجة عندما تعرّضت للاغتصاب، وقد قرر الطبيب إجراء عملية إجهاض لها للتخلّص من الجنين الناتج عن الاعتداء، إلا أن زوجها رفض تقبّل الوضع وقرر الانفصال عنها، رغم أنها لم ترتكب أي خطأ.

وتشدد انطلاقاً من تجربتها في توثيق انتهاكات قوات الدعم السريع في ولايتي الجزيرة وسنار، على ضرورة إطلاق حملات توعية واسعة تستهدف المجتمع، خصوصاً فيما يتعلق بفهم طبيعة جرائم الاغتصاب خلال الصراع، والتعامل مع الناجيات باعتبارهن ضحايا لجريمة قسرية، وليس طرفاً مسؤولاً عنها. مؤكدة أن البلاد تمر بظروف صراع قاسية، ما يستدعي أن يكون المجتمع أكثر تضامناً ووعياً بحقوق النساء.

وتدعو رفقة إلى ضرورة إدراك أن النساء لسن طرفاً في الصراع، ولا يجوز أن تُخاض المعارك على أجسادهن أو أن يُستخدمن كوسيلة للانتقام أو الضغط. كما تطالب منظمات المجتمع المدني بالتدخل العاجل لحماية النساء وإنقاذهن من الانتهاكات المستمرة.

 

رحلة صحفية محفوفة بالمخاطر

وتوضح رفقة عبد الله أن عملها في توثيق الانتهاكات في ولايتي الجزيرة وسنار عرّضها لمخاطر كبيرة، خاصة أثناء تنقلها بين الولايات، حيث دخلت مناطق كانت المعارك لا تزال دائرة فيها، ووجدت نفسها في بعض الأحيان بين قوتين متقاتلتين، مما جعل مهمتها محفوفة بالتهديدات.

وتؤكد رفقة عبدالله حديثها على الدور المحوري الذي يجب أن تلعبه الصحافة في كشف الحقائق وتوثيق الانتهاكات، خاصة أن عمليات التوثيق لم تكن كافية حتى الآن. مشددة على ضرورة تنظيم حملات توعوية تذكّر بأن النساء والأطفال ليسوا طرفاً في الصراع، وتدعو المنظمات الحقوقية والكيانات الصحفية إلى الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، والعمل المشترك من أجل وقف الحرب ودعم مسار السلام.