نساء إيران بين نيران الحرب وتشدّد النظام الأبوي
بعد مرور أكثر من 40 يوماً على اندلاع الحرب في إيران، واجهت النساء في المناطق الحدودية ضغوطاً عائلية وقيوداً اجتماعية وتزايداً في السيطرة الأبوية، إضافة إلى نقص في الأدوية والخدمات الطبية، في أزمة صامتة نادراً ما تُذكر في الروايات الرسمية.
سارة بورخزاري
كرماشان ـ مرّ ما يقارب شهرين على اندلاع الحرب في إيران، ولا تزال العديد من وسائل الإعلام تصوّر هذه المعركة على أنها مواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والجمهورية الإسلامية، لكن في ثناياها ثمة فئة من الضحايا لا تظهر أسماؤهم في أي إحصاءات رسمية، ضحايا لطالما بقوا في الظل وهنّ النساء.
مع تصاعد حدة الصراع بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ونقص الغذاء والدواء، واضطراب الخدمات العامة وتزايد الضغوط الاقتصادية والأمنية، ازداد الوضع الاجتماعي والنفسي للمرأة سوءاً وفي خضم هذه الحرب لا تواجه النساء التداعيات العامة للأزمة فحسب، بل يتحملن أيضاً عبئاً أثقل من التوترات الأسرية والاجتماعية والهيكلية.
في حالات الحرب، يتصاعد العنف بشكل ملحوظ على مستوى المجتمع وفي محيط الأسرة، وتُشكّل الحساسيات الأمنية والضغوط الناجمة عن عدم الاستقرار أساساً لتضييق الخناق على أجساد النساء وسلوكهن، بما أن النساء أكثر عرضةً للمخاطر في العديد من البنى الاجتماعية، فإن الحرب تُفاقم هذا التفاوت ويبرز النظام الأبوي بشكلٍ أكبر وأكثر عدوانية، في الواقع لا تُعدّ النساء في هذه الأزمة مجرد شهود على الحرب، بل هنّ منخرطات في حربٍ موازية، حربٌ ضد العنف المنزلي، والتمييز البنيوي، والإقصاء الاجتماعي، والضغوط الاقتصادية التي لا تُرى في ظل الحرب الرئيسية، هذه الحرب الخفية لا تقل واقعيةً وتدميراً، ولكنها نادراً ما تُروى.
عندما يصبح العلاج حلماً بعيد المنال
تقول ميترا. ب، وهي امرأة بدوية حامل تعيش في السهول المحيطة بقصر شيرين "أنا حامل في الشهر السادس، وقد استقررنا في هذه السهول منذ شهرين تقريباً، نسمع كل يوم دوي الصواريخ وتحليق الطائرات المرعب، لكن هذا ليس سوى جزء صغير من همومي، اضطررت الشهر الماضي للذهاب إلى كرماشان لإجراء فحص طبي واختبارات حمل لأن جسدي كله يؤلمني، لكن مع بدء الحرب والخوف من القصف، يرفض زوجي طلبي بغضب في كل مرة، قائلاً إن الذهاب إلى كرماشان يعرض حياة الجميع للخطر".
وأشارت إلى أنه في قصر شيرين المرافق الطبية محدودة للغاية، لا يوجد عدد كافٍ من الأخصائيين ولا المعدات اللازمة "أعاني كل يوم وقد ارتفعت أسعار الأدوية التي أحتاجها عشرة أضعاف تقريباً، وأصبح الكثير منها نادراً لقد نفدت بعض أدويتي الأساسية منذ أكثر من شهر، رغم كل هذه الظروف أحاول التحمّل لكن أكبر مخاوفي هي لحظة الولادة، لا أعرف إن كان بإمكاني الولادة في مستشفى بعد ثلاثة أشهر، أو ربما سأضطر للولادة في هذه الخيمة".
قصة ميترا. ب ليست سوى مثال واحد من بين مئات الأمثلة التي تُظهر الضغوط التي تتعرض لها النساء على مختلف مستويات حياتهن خلال الحرب الأخيرة، ما تمر به ليس استثناءً، بل هو جزء من واقع أوسع تتداخل فيه الحرب والفقر ونقص الموارد والنظام الأبوي، مُلقيةً بظلالها على أجساد النساء وحياتهن، بالنسبة لامرأة حامل مثل ميترا فإن انعدام إمكانية الحصول على الأدوية والرعاية الصحية قبل الولادة والمرافق الطبية قد يُؤدي إلى عواقب وخيمة لا يُمكن إصلاحها، تُعاني ميترا وهي تجهل حالتها الصحية وحالة جنينها، إذ لم تتمكن من إجراء الفحوصات الطبية الضرورية لأشهر، لقد جعلت الحرب طرق السفر غير آمنة، وقرار زوجها الذي يتأثر هو الآخر بالخوف والضغط النفسي والبنى الأبوية المتجذرة، حرمها فعلياً من حقها الأساسي في الرعاية الطبية، هذا القرار الذي يُبرر ظاهرياً بحماية أمن الأسرة، يُعرّض صحة ميترا وجسدها للخطر في الواقع.
في مثل هذه الظروف، لا تُدمر الحرب البنية التحتية فحسب، بل تُفاقم أيضاً ديناميكيات علاقات القوة داخل الأسرة، إنّ النظام الأبوي الذي كان حاضرا بالفعل في حياة العديد من النساء يتفاقم الآن بفعل تبرير حالة الطوارئ، تواجه ميترا ألماً جسدياً وقلقاً على صحة جنينها، فضلًا عن الضغوط النفسية الناجمة عن القيود المفروضة عليها، بالنسبة لها الحرب ليست مجرد صوت صواريخ وطائرات بل هي حاضرة في قرارات تسلبها السيطرة على جسدها وتضعها في موقف تُهمَل فيه حتى أبسط احتياجاتها، تُظهر روايتها كيف تُوضع النساء في الخطوط الأمامية للأزمات، غير مرئيات، وغير مسموعات، وبدون أدنى دعم ممكن.
الحرب والنظام الأبوي
تقول فرنكيس.س، وهي ناشطة حقوق المرأة في كرماشان "في الحروب تكون النساء والأطفال أول من يتعرض لضغوط مضاعفة، لكن تجدر الإشارة إلى أن الضغط على النساء في كثير من الأحيان يكون أكبر من الضغط على الأطفال، ففي مجتمع يهيمن عليه النظام الأبوي ترتفع توقعات التضحية من المرأة بشكل ملحوظ في المواقف الحرجة، ويتجلى هذا الواقع بوضوح في حياة ميترا، فهي لا تُحرم من أبسط مقومات الحياة فحسب، بل إن زوجها لا يتعاون معها في توفير الحد الأدنى من احتياجاتها الضرورية، ويحرمها عملياً من حقها في حماية نفسها، تقوم عقلية زوجها الأبوية على الاعتقاد بأن ظروف الحرب تسمح له بحرمان المرأة من رغباتها واحتياجاتها، وأن يعتبر قراراته هي الحقيقة المطلقة، في مثل هذه البيئة لا تواجه النساء نقصاً في الفرص فحسب، بل يواجهن أيضاً هيمنة تتخذ من الحرب ذريعة لتجاهل حقوقهن وكرامتهن".
ولفتت إلى أنه في كرماشان الحدودية، ألقى الخوف الدائم من تعرض الفتيات للأذى بظلاله الثقيلة على حياة الأسر، ما حرم العديد من الفتيات من أبسط حقوقهن اليومية، وتحت ضغط انعدام الأمن وعدم الاستقرار، تُفضل الأسر إبقاء بناتها في المنزل وكأن المنزل هو الملاذ الوحيد، ونتيجة لذلك اضطرت العديد من الفتيات إلى التخلي عن دراستهن وعملهن وأنشطتهن الاجتماعية، ليصبحن ربات بيوت، حتى في أبسط الأمور وأكثرها طبيعية، كالدراسة الجامعية، أصبح وجود أحد أفراد الأسرة الذكور كمرافقة شبه إلزامي، وقد فرض هذا الوضع حرماناً مضاعفاً على النساء، حرماناً يفوق في بعض الأحيان وطأة الحرب نفسها، فقبل أن يحلّ بهن أي خطر حقيقي، تُعاقب هؤلاء النساء عملياً في سجن خفي، جدرانه مبنية على الخوف وانعدام الأمن وقرارات رجال الأسرة، إنهن مسجونات دون ذنب ارتكبنه، ومجرد كونهن نساء في ظل هذه الظروف الفوضوية الراهنة كافٍ لتقييد حرياتهن لقد تسببت هذه الدورة الظالمة في أن تتحمل النساء في المنطقة ليس فقط عبء الحرب، بل أيضاً عبء السيطرة الاجتماعية والقيود في الوقت نفسه.
الحرب لا تقتصر على ساحة المعركة
بشكل عام، يمكن القول إن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل والجمهورية الإسلامية قد ضحت بالعديد من النساء قبل أن تودي بحياتهن مباشرة، ففي ظل هذه الصراعات، سيطر الخوف وانعدام الأمن الاجتماعي على حياة النساء وحرمهن من أبسط حقوقهن الإنسانية، وأصبحت كثيرات منهن ربات بيوت، لا باختيارهن، بل تحت ضغط المعتقدات السائدة والتقاليد الصارمة. في الواقع، منحت الظروف القائمة والجو السياسي والعسكري المتوتر رجال الأسرة سلطة حبس النساء في منازلهم. هذا الحبس المنزلي ليس مجرد تقييد فردي، بل هو انعكاس لمعتقدات تجعل حرية المرأة أول ضحاياها في المواقف الحرجة. فقبل حتى أن يتعرضن لخطر الحرب المباشر، تُستبعد النساء من الحياة العامة بسبب جنسهن، ويتحملن عبء الحرمان والعزلة. هذا الواقع المرير يُظهر أن الحرب لا تقتصر على ساحة المعركة، بل تستمر في البيوت والعقول والعلاقات الاجتماعية، والنساء هن الضحايا الصامتات الأوائل، ضحايا أصواتهن أقل سماعاً، أصبحن وسط الحركات المعارضة والمؤيدة للحرب، ضحايا غير مرئيين لن يُروا أبداً.
في العديد من المجتمعات الأبوية، ينظر الرجال إلى النساء عند مواجهة الحروب، لا كرفيقات بل كنقطة ضعف، فالحرب في أذهانهم ساحةٌ يجب عليهم فيها إظهار القوة والسيطرة والقدرة على مواجهة التهديدات، لكن هذه الصورة الذهنية للقوة تتزعزع بوجود النساء من حولهم، وكأن وجودهن يُذكّرهم بالمسؤولية والرعاية والضعف، وهذه العناصر لا تتوافق مع صورة الرجل عن القوة في الأزمات، لهذا السبب يحاول الكثير من الرجال في الحروب تقييد النساء أو إلقاء اللوم عليهن أو حتى إسكاتهن، فهم يعتقدون أن اتخاذ النساء للقرارات بحرية أو التعبير عن احتياجاتهن سيُشتت تركيز الرجل عن مواجهة التهديد، في الواقع وللحفاظ على صورة ذهنية للقوة، يُصوّر الرجال النساء كعناصر ضعف، ويحاولون إخفاء هذا الضعف أو احتواءه من خلال السيطرة والضغط. هذا السلوك لا ينبع من القوة، بل من الخوف، الخوف من انهيار الأدوار التقليدية ومن المسؤولية، والخوف من أن تكشف الحرب عن ثغرات خفية في العلاقات والهياكل الأبوية، في مثل هذه البيئة لا تواجه النساء مخاطر الحرب فحسب بل يكافحن أيضاً حرباً أخرى داخل المنزل وفي علاقاتهن، حرب تكون فيها أجسادهن وحريتهن وأصواتهن هي ساحات المعركة الرئيسية، ولهذا السبب تلوم النساء أنفسهن أحياناً في مثل هذه المواقف ويتصورن أنفسهن كأدوات ضعيفة وعبئة على الرجال في الأسرة.
شائعات وخوف
تقول عزت.ه ، وهي امرأة في الستينيات من عمرها تعيش في قصر شيرين "خلال الحرب العراقية الإيرانية، انتشرت شائعات، وربما حقائق عن اعتداء الجنود العراقيين على النساء ومضايقتهن، زرعت هذه الشائعات الخوف في نفوسنا نحن الفتيات الصغيرات، لدرجة أننا فكرنا في الانتحار حتى أنني أتذكر بعض الرجال يقولون إننا إذا حوصرنا، فسنقتل زوجاتنا وأخواتنا بأنفسنا حتى لا يقعن في أيدي العدو، والآن مع اندلاع الحرب مجدداً، عاد الخوف نفسه إلينا وأنا قلقة على بناتي".
إن غرس الاعتقاد بأن المرأة هي نقطة ضعف الرجل في الأسرة ومصدر مشاكله، قد ينتقل من جيل إلى جيل ويترسخ في اللاوعي الجمعي، وفي الحرب الأخيرة انتقل هذا الخوف نفسه من الاعتداء والتحرش الجنسيين، بلا شك، من نساء مثل عزت إلى الفتيات الصغيرات، وقد تسببت هذه الدائرة المفرغة من الخوف في معاناة العديد من النساء من ضغوط نفسية شديدة في ظروف الحرب؛ ضغوط متجذرة في الإدراك الدائم لاحتمالية التعرض للتحرش الجنسي والشعور بالعجز، من جهة أخرى أجبر هذا الاعتقاد التاريخي نفسه بشأن ضعف المرأة الجنسي في خضم الحرب رجال الأسرة على منع النساء من أي نشاط مستقل، ومنعهن من مغادرة المنزل في مثل هذه الظروف. ونتيجة لذلك، لا تواجه النساء تهديدات خارجية فحسب، بل يعانين أيضاً من قيود داخل الأسرة؛ قيود هي في حد ذاتها نتاج نفس المخاوف القديمة وإعادة إنتاج المعتقدات الخاطئة المعادية للمرأة.