من "لا" إلى العنف... حكايات نساء دفعن ثمن رفضهن في مجتمع أبوي
كلمة "لا" التي تعبّر عن حق المرأة في الاختيار قد تتحول في بعض الحالات إلى سبب للتهديد والعنف، لتكشف قصص الضحايا عن استمرار ثقافة التملك والإفلات من العقاب.
سارة بورخزري
کرماشان ـ "يجب أن يدرك هؤلاء الفتيان أن كلمة (لا) تعني (لا). فالفتاة التي تقول (لا)، سواء كانت قريبة، أو صديقة، أو حبيبة، أو حتى عاملة في مجال الجنس، أو حتى زوجتك، فإن كلمة (لا) تعني (لا)".
هذا المقطع هو جزء من أحد الحوارات المؤثرة في الفيلم الهندي "Pink" الذي أُنتج عام 2016. حيث يطرح رسالة إنسانية وقانونية واضحة حول حق المرأة في رفض أي تصرف ينتهك إرادتها؛ فلا توجد علاقة تمنح الرجل حق السيطرة على جسدها، وكلمة "لا" تعني رفضاً صريحاً يجب احترامه. كما يكشف الحوار عن خطورة الفكر الذي يحول العلاقات إلى مبرر للامتلاك والعنف، وهو ما ينعكس في الواقع من خلال استمرار أشكال العنف ضد النساء، خصوصاً عندما يتحول رفض المرأة إلى سبب للتهديد أو الإيذاء، وقد يصل في بعض الحالات المأساوية إلى القتل.

وفي أحدث حلقات هذا العنف المتصاعد، قُتلت بروين الله ديني في مدينة مسجد سليمان، بعدما رفضت طلب زواج تقدم به أحد الأشخاص. ووفقاً للمعلومات المتداولة، اقتحم الجاني منزلها بالقوة وأطلق عليها عدة رصاصات أمام طفلها الصغير، ورغم نشر السلطات صورة للجاني، فإن ملامحه ظلت مطموسة ولم تُكشف هويته للرأي العام.
ولا تقف هذه الجرائم عند حدود حوادث فردية، بل تأتي ضمن سلسلة متكررة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تُستهدف النساء بسبب حقهن في الاختيار والرفض. ففي العام الماضي، قُتلت امرأة في مدينة كرماشان بعد أن أطلق خاطبها النار عليها، وبعد شهرين فقط، لقيت فتاة تُدعى شيدا، تبلغ من العمر 15 عاماً، مصرعها في مدينة بابل إثر تعرضها للطعن على يد خاطبها. كما قُتلت امرأة في مدينة إيوان غرب البلاد بعد رفضها طلب زواج، فيما أُضرمت النار في "غزالة حدودي" داخل مكان عملها في مدينة سنه للسبب ذاته.

وتكشف هذه الحالات، إلى جانب عشرات الجرائم الأخرى خلال العامين الماضيين، عن نمط مقلق من العنف ضد النساء، حيث قد يتحول حق المرأة في رفض علاقة أو اختيار شريك حياتها إلى سبب يهدد حياتها.
عندما يتحول انتهاء العلاقة إلى تهديد وعنف
سحر. ق، امرأة تعرضت مراراً للتهديد والعنف من قبل زوجها السابق، تقول "في الأيام الأولى التي عدت فيها إلى منزل والدي وكنت قد بدأت إجراءات الطلاق، كان يلاحقني باستمرار. أينما ذهبت كان يتبعني، وكان يقول بغضب: ليس من حقك أن تنفصلي. بدأ بضربي عدة مرات في منتصف الشارع أمام الناس. عندما تقدمت بشكوى ضده، قيل لي إنه لا يمكنهم فعل شيء، لأنه كان لا يزال يُعتبر زوجي قانونياً، ولذلك لم أحصل على أي حماية من القانون".
وتابعت "في أحد الأيام، بينما كنت خارج المنزل، وقف أمامي فجأة وبدأ بالشجار. وقبل أن أتمكن من الرد، سكب محتوى زجاجة على صدري وبطني. للحظات اعتقدت أنه حمض حارق؛ تجمد جسدي من الخوف وبدأت أصرخ بشدة. قال بهدوء إن ما سكبه لم يكن حمضاً هذه المرة، لكنه سيكون حمضاً في المرة القادمة. لن تتخلصي مني بسهولة. في تلك اللحظة أدركت أن تهديداته لم تكن مجرد كلام، وأنه قد يفعل أي شيء".
تكشف كلمات سحر. ق أن كثيراً من النساء قد يواجهن العنف والتهديد ليس فقط من الخاطبين، بل حتى بعد انتهاء العلاقة من قبل أزواجهن السابقين. وتُظهر تجربتها أنه في البنى الاجتماعية الأبوية، يمكن أن تؤدي كلمة "لا" البسيطة إلى ردود فعل خطيرة وانتقامية.
الأبوية؛ من تطبيع العنف إلى إفلات القتلة من العقاب
تقول فرنكيس. هـ، الناشطة في مجال حقوق المرأة إن المرأة في المجتمعات التي يهيمن عليها النظام الأبوي تُوضع أحياناً في موقع يفترض فيه أن تخدم الرجل وتلبي رغباته دون اعتراض، وضمن هذا البناء الاجتماعي، لا يرى بعض الرجال أنفسهم أصحاب سلطة على النساء فحسب، بل يعتبرون أي رفض منهن تحدياً لمكانتهم وهيبتهم. هذا المنظور القائم على التملك يمنح الرجل شعوراً زائفاً بالأحقية في إصدار الأوامر وانتظار الطاعة، لذلك قد يشعر بعضهم بأن رفض المرأة يمس رجولتهم وسلطتهم، ما يدفعهم إلى محاولة معاقبتها أو الانتقام منها بسبب شعورهم بالإهانة.
وأضافت أن هذا المنظور قد يدفع بعض الرجال إلى تهديد النساء والضغط عليهن، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى ارتكاب جرائم قتل. ولا يرتبط هذا العنف بالمعتقدات الأبوية فقط، بل تسهم فيه أيضاً القوانين غير الفعّالة وضعف آليات الحماية والردع، مما يخلق بيئة تسمح باستمراره، مشيرةً إلى أن عدداً من النساء تقدمن سابقاً بشكاوى رسمية وبلغن عن تهديدات بالقتل، إلا أن غياب الاستجابة القانونية الفعّالة حال دون حمايتهن وإنقاذ حياتهن.
وأوضحت أن "الرجل يعلم أن حياة المرأة في الجمهورية الإسلامية لا تحظى بقيمة كبيرة، وهذا الإدراك الخطير يجعله قادراً في أي موقف على أن يتصرف وكأنه يملك قرار الموت أو الحياة بالنسبة للمرأة. في الواقع، فإن هذا التهميش البنيوي لقيمة حياة المرأة جعل العنف أسهل وأقل تكلفة بالنسبة للرجال، بل وجعله يبدو في بعض الأحيان وكأنه حق طبيعي، إلى درجة أن الرجل، مهما كان موقعه، يتصرف وكأنه يملك سلطة تقرير مصير المرأة".
وترى أنه عندما تكون الحكومة داعمة للنظام الأبوي، فإن القوانين والآليات القانونية قد تُعطي الأولوية لمصالح الرجال. وفي مثل هذا النظام، قد يرى بعض الرجال أنفسهم أصحاب حقوق وامتيازات خاصة داخل العلاقات الشخصية والأسرية، وقد يؤدي هذا التصور إلى تمهيد الطريق للعنف بما في ذلك قتل النساء.
من جهة أخرى، تقوم وسائل الإعلام وأقارب القاتل أحياناً بإخفاء هويته، في حين تُنشر صورة المرأة الضحية وتفاصيل حياتها دون رقابة. هذا الأسلوب في التغطية الإعلامية يعرّض المرأة للحكم واللوم المجتمعي، بينما يُبعد الرجل عن المسؤولية الاجتماعية، ويعيد إنتاج دائرة لوم الضحية وتهرّب الرجال من المسؤولية، كما أوضحت فرنكيس. هـ.
وتتابع "لا شك أنه يجب نشر صورة الشخص القاتل، حتى يُنبذ ويُدان اجتماعياً في مجتمع يدّعي معارضة العنف، وحتى لا يشعر بأنه ما زال يمتلك القوة. في المجتمع السليم، يجب أن يكون الرأي العام حساساً تجاه مثل هذه الجرائم، وألا يسمح لشخص سلب حياة إنسان أن يعود إلى حياته الطبيعية دون أي تبعات. لكن للأسف، تبدو هذه الصورة أقرب إلى مجتمع مثالي غير موجود".
وأكدت على أن دائرة الدعم والتجاهل هذه تعزز لدى الرجال شعور الإفلات من العقاب والقوة، بينما تترك النساء في الصمت والظلم "في المجتمع الأبوي، يوجد دائمًا عامل يمهّد لقمع النساء والعنف ضدهن، وقد يتحول أحيانًا أبسط سلوك أو قرار تتخذه المرأة إلى سبب للعنف.
إن سلب المرأة حقها في الاختيار قد يحول أبسط حقوقها، كقول "لا" ووضع حدودها، إلى سبب للعنف. ولا تنتهي هذه الدائرة إلا باحترام إرادة النساء وحمايتهن، لأن احترام حق المرأة في الرفض هو احترام للإنسانية والعدالة.