من العنف الزوجي إلى العنف الأسري... معاناة النساء بعد الطلاق

تكشف شهادات نساء مطلقات في كرماشان أن الطلاق لا يعني دائماً نهاية العنف، بل قد يكون بداية لتحديات جديدة تتراوح بين الطرد من منزل الأسرة، والحرمان من الدعم، والفقر، والعنف النفسي والجسدي.

سارة بورخزري

كرماشان ـ الطلاق بالنسبة للعديد من النساء ليس نهاية المطاف مع الألم، بل هو بداية لمعركة أشد قسوة؛ معركة تضعهن في مواجهة مباشرة مع طرد العائلة، وجوع الفقر، وقضبان النظرة الذكورية.

كانت قد وعدت نفسها بأن أول رجل يتقدم لخطبتها سيكون هو الشخص الذي تتزوجه؛ ليس دافعاً بالحب، بل هرباً من منزل كانت تشعر فيه بالاختناق يوماً بعد يوم. تصوّرت أن خلف أسوار ذلك المنزل تنتظرها الحرية وحياة أفضل، لكنها وجدت نفسها بعد الزواج في قفص أكثر رعباً. في نهاية المطاف، وبين خياري البقاء مع زوج عنيف أو العودة إلى منزل والدها، اختارت الطلاق؛ وهو قرار يمثل بداية الخلاص للكثيرات، لكنه كان بالنسبة لها عودة إلى سجن قديم. لقد أجبرتها عائلتها باللوم، والطرد، والقيود على البقاء في منزل والدها؛ ليس كابنة للعائلة، بل كامرأة يتعين عليها دفع ثمن طلاقها.

هذه ليست رواية امرأة واحدة فحسب؛ بل هي قصة العديد من النساء اللواتي تواجهن، بعد الطلاق، الإيذاء من أقرب الناس إليهن، بالإضافة إلى الأحكام المسبقة والطرد الاجتماعي. نساء يضطررن لزيارة المؤسسات الإغاثية مثل "لجنة الإمداد" و"منظمة الرعاية الاجتماعية" لتأمين أبسط احتياجاتهن، ورغم أن العديد من النساء كسرن في السنوات الأخيرة تابو الطلاق للتخلص من الزيجات غير الصحية، إلا أن الهيمنة الذكورية المتجذرة في العائلة، والمجتمع، والبنى الثقافية، جعلت مسار الاستقلال وبدء حياة جديدة أكثر صعوبة عليهن.

تقول (نكين. ف)، المقيمة في حي حافظية بمدينة كرماشان شرق كردستان والتي مرت سنتان على طلاقها "بعد الانفصال، قال لي والدي صراحةً ليس لكِ الحق في العودة إلى المنزل، وأجبرني على العيش في زاوية الباحة داخل المستودع، منذ سنتين وأنا أعيش كالسجينة، لا يعطونني سوى الطعام، وليس لي أي دخل سوى الدعم الحكومي (اليارانه)".

وأضافت "راجعت لجنة الإمداد عدة مرات برفقة والدتي، وبعد الكثير من الذهاب والإياب والمشقة وشرح الظروف، لم يخصصوا لي سوى راتب ضئيل لا يتعدى مليوني تومان شهرياً، وأنا مجبرة على العيش بهذا المبلغ الزهيد، ووالدي يقول لي دائماً: ليت جثتكِ هي التي عادت لا أنتِ، لقد فضحتِنا وستبقين عبئاً على كاهلنا حتى آخر العمر".

 

الطلاق بداية الخلاص أم بدء عقوبة جديدة؟

في العديد من العائلات، لا يُنظر إلى الطلاق كحق فردي، بل كوصمة عار تمس الشرف؛ وبدلاً من تلقي الدعم، تواجه النساء اللوم، والقيود، والإيذاء، يسعى هذا المنظور إلى غرس فكرة في أنفسهن بأنهن بعد الطلاق لم يَعُدن يستحققن الاحترام أو الحياة المستقلة، ولكن، ما هو جذر هذا التعامل المهين مع النساء المطلقات؟

روناك مارابي (اسم مستعار)، أخصائية نفسية في كرماشان، تقول "في المجتمعات الذكورية، غالباً ما تُعرّف المرأة ليس كإنسان مستقل، بل كقوة عاملة مجانية أو أداة لإعادة الإنتاج (التكاثر). في هذه النظرة، ترتبط قيمة المرأة بخدمة الأسرة ومن ثم الزوج، وتُعتبر عودتها إلى منزل والدها بعد الطلاق أو الترمل أمراً غير مقبول. وجذور هذه النظرة هو الاهتمام المفرط بمفهوم العذرية؛ بحيث أن بعض العائلات تعتبر المرأة المطلقة فرداً "ملموساً" (مستعملاً) وبلا قيمة. لهذا السبب، تواجه العديد من النساء بعد العودة إلى منزل الأب التحقير، القيود، الطرد، والسلوكيات المؤذية لكي يتم إلقاء هذا الاعتقاد في أنفسهن بأنهن لم يعدن شابات جديرات بالاحترام".

 

عندما يستمر الفقر والعنف بعد الطلاق

(منير. ب)، وهي امرأة واجهت عنفاً شديداً من قِبل عائلتها وزوجها السابق بعد إقدامها على الطلاق، تقول بعد أن اتخذتُ قراري بالإقدام على الطلاق، ضربني والدي بقسوة شديدة وقال لي بغضب ليس لكِ الحق في الطلاق وأنتِ أم لولدين، وتحت وطأة الضغط والخوف، اضطررتُ للعودة مجدداً إلى منزل زوجي، لكن الأوضاع هناك لم تكن أفضل؛ فبما أن عائلتي لم تتقبلني وتعرضتُ للإهانة لديهم، استغل زوجي هذا الوضع وزاد من إيذائه ومضايقاته لي".

وتوضح ذلك بالقول أنه "في إحدى الليالي، ضربني لدرجة أنني بقيتُ مغمى عليّ على الأرض لعدة ساعات، وعندما أخبرتُ والدي بأن زوجي يضربني، قال لي ببساطة: المرأة التي تسعى وراء الطلاق ومعها طفلان، هذا هو حقها وجزاؤها. هذه الكلمات والتصرفات جعلتني بلا أي ملجأ، وفي نهاية المطاف، ورغم كل الصعوبات، حصلتُ على الطلاق، والآن أعيش في حي "وكيل آقا" في منزل صغير تبلغ مساحته عشرين متراً فقط، ومصدر دخلي الوحيد هو الدعم الحكومي، وهو لا يكفي سوى لشراء خبزنا الشهري، وأطفالي جياع طوال الوقت".