من الخوف من التكاليف إلى تأخير العلاج... ارتفاع الأسعار يضع النساء أمام خيارات صعبة

أدى ارتفاع تكاليف العلاج والرعاية الصحية إلى تراجع أولوية الصحة لدى كثير من النساء في إيران وشرق كردستان، وأصبح الذهاب إلى الطبيب قراراً صعباً بالنسبة لهن.

مهيار رستمي

جوانرو ـ في ظل الضغوط الاقتصادية وحالة عدم اليقين الناتجة عن الأزمات الاجتماعية والإقليمية التي تلقي بظلالها على حياة الناس، اضطرت العديد من الأسر في إيران وشرق كردستان إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وفي خضم ذلك، غالباً ما تتراجع صحة النساء إلى مراتب متأخرة في سلم الأولويات، وهو أمر قد يخلّف آثاراً خطيرة على صحة المرأة والأسرة معاً.

ولا تقتصر صحة المرأة على علاج الأمراض بعد ظهور الأعراض، بل إن جزءاً مهماً من الرعاية الطبية يتعلق بالوقاية والفحوصات الدورية والكشف المبكر، فالعديد من الأمراض الشائعة بين النساء، مثل سرطان الثدي وسرطان عنق الرحم وسرطان المبيض، قد لا تُظهر أعراضاً واضحة في مراحلها الأولى، مما يجعل الفحوصات المنتظمة والمتابعة الطبية أمراً بالغ الأهمية.

إن متابعة الحالة الصحية العامة للجسم، وفحص فقر الدم ونقص الفيتامينات، وإجراء الفحوصات الوقائية الضرورية، ومراقبة التغيرات الجسدية، كلها عوامل تلعب دوراً مهماً في الوقاية من الأمراض أو اكتشافها في مراحل مبكرة، ومع ذلك، فإن ارتفاع تكاليف المعاينات الطبية والتحاليل والسونار وغيرها من الخدمات الصحية دفع الكثير من النساء إلى تأجيل زيارة الطبيب حتى عند ظهور الأعراض المرضية.

تتخلى النساء عن احتياجاتهن الشخصية أكثر من غيرهن في أوقات الأزمات لأن الأدوار الاجتماعية والعائلية أسهمت في ترسيخ هذا النمط، حتى عندما يتعلق الأمر بصحتهن.

وبحسب الإحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة الإيرانية، فإن سرطانات الثدي وعنق الرحم والقولون والمستقيم تُعد من أكثر أنواع السرطان انتشاراً في البلاد، ويأتي سرطان الثدي في المرتبة الأولى من حيث عدد الإصابات، وتشكل النساء النسبة الأكبر من المصابين به، وتبرز هذه الأرقام أهمية إجراء الفحوصات الدورية والالتزام بالمراجعات الطبية المنتظمة.

 

تأثير الغلاء على صحة النساء واحتياجاتهن الأساسية

لم يقتصر تأثير الضغوط الاقتصادية على قدرة النساء في الحصول على الخدمات الطبية، بل امتد أيضاً إلى تأمين بعض الاحتياجات الصحية الأساسية، فقد أصبح ارتفاع أسعار مستلزمات النظافة النسائية، ومنها الفوط الصحية، مصدر قلق حقيقي لكثير من الأسر.

تقول (نيكار. ع) إنها تعاني من نزيف غزير خلال فترة الحيض، ولذلك كانت تستهلك عادة ما بين عبوتين ونصف وثلاث عبوات من الفوط الصحية في كل دورة شهرية، إلا أن ارتفاع أسعار هذه المنتجات أجبرها على التقليل من استخدامها "في السابق كنت أغيّر الفوطة الصحية فور الحاجة، أما الآن فأضطر أحياناً إلى استخدامها لفترة أطول لتقليل المصاريف. هذا الأمر يسبب لي الانزعاج والقلق، كما يؤثر على نظافتي الشخصية وصحتي".

وفي الوقت نفسه، هناك نساء أخريات أرجأن متابعة مشكلاتهن الصحية لأشهر، بل ولسنوات أحياناً، بسبب تكاليف العلاج المرتفعة منهن (مجكان. ك)، البالغة من العمر 25 عاماً، والتي تعاني من أكياس في الثدي وتحت الإبط وتقول "يجب أن أجري فحصاً بالموجات فوق الصوتية (السونار) كل ستة أشهر، لكنني لم أتمكن من القيام بذلك منذ نحو عام. لا أعرف كيف أصبحت حالة الأكياس لدي، ولا ما إذا كانت قد ازدادت حجماً أم لا".

وتضيف أن الألم بدأ يمتد إلى كتفيها، وأنها تشعر بقلق متزايد بشأن حالتها الصحية، لكنها لا تزال غير قادرة على تحمل تكاليف العلاج.

كما أن ثريا محمدي واحدة من النساء اللواتي اضطررن إلى تأجيل زيارة الطبيب بسبب الصعوبات المالية وتقول "منذ أشهر كانت آلام الدورة الشهرية لدي تزداد شدة، كما كنت أعاني من إفرازات غير طبيعية خارج فترة الحيض. كنت أعلم أن عليّ مراجعة الطبيب، لكن تكاليف المعاينة والفحوصات والأدوية مرتفعة بالنسبة لي".

وتوضح أنها لم تذهب إلى الطبيب إلا بعد أن أصبحت الأعراض أكثر حدة بكثير "عندما راجعت الطبيب أخيراً، كانت العدوى قد تفاقمت، واستغرق علاجها وقتاً أطول، ولو أنني ذهبت في وقت مبكر، لكان العلاج على الأرجح أبسط وأقل تكلفة".

وتؤكد أن الخوف من تكاليف العلاج دفعها إلى تأجيل المراجعة الطبية لأشهر طويلة، وهو قرار لم يؤدِّ إلى تحسن حالتها، بل جعل العلاج أكثر تعقيداً وصعوبة.

 

التشخيص المتأخر يزيد من خطورة الأمراض

تقول الدكتورة سوما محمديان وهي اختصاصية في أمراض النساء والتوليد بمدينة جوانرو، إن الصعوبات الاقتصادية وبعض القيود الثقافية تُعد من أهم الأسباب التي تمنع النساء من مراجعة الطبيب في الوقت المناسب، وتوضح "عندما تتأخر المرأة في مراجعة الطبيب، غالباً ما يتم تشخيص الأمراض في مراحل أكثر تقدماً، ويصبح علاجها أكثر صعوبة".

وتشير إلى أن الالتهابات المزمنة قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة إذا لم تُعالج مبكراً "راجعتني مؤخراً مريضة كانت تعاني في البداية من التهاب بسيط فقط، لكنها لم تُجرِ أي فحص دوري لمدة تقارب ثلاث سنوات، فتحولت حالتها إلى تقرحات والتهابات شديدة وعدوى متقدمة".

 

الحاجة إلى دعم أكبر للرعاية الوقائية

بحسب خبراء الصحة فإن خفض تكاليف الخدمات الوقائية، وتوسيع التغطية التأمينية للفحوصات والمعاينات الدورية، وتحسين وصول النساء إلى الخدمات الصحية، يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تشجيعهن على مراجعة المراكز الطبية بشكل منتظم.

ومع ذلك، لا تزال أعداد كبيرة من النساء محرومات من الفحوصات الدورية بسبب الضغوط الاقتصادية، وهو ما قد يعرض صحتهن لمخاطر جسيمة على المدى الطويل ويؤدي إلى اكتشاف الأمراض في مراحل متأخرة يصعب علاجها.