من الإبادة الـ 74 إلى رحلة البحث عن الهوية والعدالة (6)
لم تكن رحلة الأم شيرين مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت رحلة نجاةٍ محفوفة بالخوف، ثم رحلة صبرٍ امتدت سنوات طويلة قبل أن تعود إلى بيتها في شنكال.
جيهان زيمو/كلستان عزيز
شنكال ـ الهجوم على شنكال كشف مسارين متناقضين؛ فمن جهة، كان الحزب الديمقراطي الكردستاني يرى نفسه صاحب شنكال، لكنه خان الإيزيديين، وتركهم بلا حماية، ومهّد الطريق أمام المجازر. بينما توجّه مقاتلو حرية حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب والمرأة، مستندين إلى رؤية القائد عبد الله أوجلان الذي كان يقول "يجب أن تعيش الإيزيدية"، نحو جبال شنكال، وفتحوا ممراً إنسانياً باتجاه روج آفا، وأنقذوا آلاف الإيزيديين.
كانت أم شيرين واحدة من أولئك الذين تمكنوا من العبور عبر ذلك الممر الإنساني مع أفراد عائلتها، لتنجو من قبضة داعش، وبعد سنوات طويلة عادت إلى منزلها في تل عزير، وأعادت بناء حياتها من جديد، رغم أن كثيراً من العائلات الإيزيدية لا تزال عاجزة عن العودة إلى بيوتها.
مع مرور اثني عشر عاماً لا تزال أم شيرين تستعيد تفاصيل تلك الأيام وكأنها حدثت بالأمس فقد خسرت ابنها الذي قُتل أثناء إنقاذ العشرات من العائلات، لكنها تؤكد أن أكثر ما يؤلمها اليوم ليس الفقد وحده، بل استمرار غياب العدالة وعدم اعتراف الدولة العراقية الكامل بحقوق الضحايا.
12 يوماً بين القبور بلا ماء ولا طعام
تستذكر أم شيرين الساعات الأولى للهجوم، قائلةً إن ابنها، الذي استشهد لاحقاً، تمكن في ذلك اليوم من إنقاذ أفراد عائلته وجيرانهم.
وتضيف أنهم عاشوا اثني عشر يوماً قرب مزار الشيخ حسن، مختبئين بين القبور، بلا ماء ولا غذاء، وسط انتشار الأفاعي والمخاطر ورغم الجوع الشديد، كان الجميع يتقاسمون أي قطعة خبز يحصلون عليها "كنا جميعاً واحداً، ونشكر الله أننا لم نقع في أيدي داعش".
وتروي أن الآباء والأمهات كانوا يضعون في أفواه أطفالهم القليل من الماء وكسرة خبز فقط كي يبقوا على قيد الحياة، فيما اضطرت إحدى الأمهات إلى غسل طعام كانت الكلاب تأكله لتطعم ابنتها حتى لا تموت جوعاً.
بعد انتقالهم إلى منطقة ديربون، عاد ابنها مرة أخرى لإنقاذ امرأتين وأطفالهما مع أحد أقاربه، وخلال الاشتباكات أصيب برصاصتين تقول والدته "بقي مع الرفاق حتى منتصف الليل. حاولوا إسعافه وعالجوا جراحه، لكنه استشهد".
وتضيف أن جثمانه أخفي مؤقتاً قرب منطقة شبل قاسم، بينما بقيت ابنتاه الصغيرتان مع العائلة "كان ذكياً جداً، ويستطيع القيام بكل شيء".
ورغم مرور السنوات، تؤكد أم شيرين أن الدولة العراقية لم تقدم الدعم الكافي لعائلة ابنها الشهيد "حتى اليوم لم تقدم الدولة أو أي مؤسسة مساعدة حقيقية لحفيدتيّ. لقد فقدتا والديهما، وهما بحاجة إلى الرعاية. نريد من الحكومة العراقية أن تعترف بما جرى للإيزيديين باعتباره إبادة جماعية، وأن تمنحنا حقوقنا وفق هذا الاعتراف".
الهروب في اللحظات الأخيرة
تتذكر أم شيرين أن العائلة بقيت في المنزل حتى وصل تنظيم داعش إلى أطراف تل عزير، في البداية أخبرهم أحد الجيران بأن داعش وصل إلى منطقة كرزريك، وعندما صعدت إلى سطح المنزل رأت الرصاص يملأ السماء كأنه نجوم تتساقط.
عندها قررت الرحيل فوراً، ولم تسمح حتى لزوجة ابنها بتحضير الطعام، لأن الوقت لم يعد يسمح بذلك، خاصة مع ملاحقة داعش للفتيات والنساء.
النجاة عبر الممر الإنساني
بعد الوصول إلى مزار الشيخ حسن، عبرت العائلة الممر الإنساني باتجاه روج آفا، وخلال الطريق ضلوا الاتجاه وكادوا يسقطون في قبضة داعش مرة أخرى. تقول أم شيرين إن وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة في روج آفا استقبلتهم هناك، وقدمت لهم الماء والطعام، ووزعت الأحذية على الأطفال، وتم إسعاف المرضى.
ثماني سنوات في خيام النزوح
لم تمكث أم شيرين طويلاً في روج آفا، بل انتقلت لاحقاً إلى مخيم خانكي في إقليم كردستان حيث عاشت ثماني سنوات تحت الخيام، قبل أن تتمكن قبل ثلاث سنوات من العودة إلى منزلها في تل عزير "لا يوجد مكان أجمل من وطن الإنسان. دائماً أردد أن الوطن أحلى الأماكن".
آلاف العائلات ما زالت تنتظر العودة
وأشارت إلى أن آلاف الإيزيديين ما زالوا يعيشون في المخيمات "حتى العيش تحت سقف من الصفيح هنا أفضل من الخيام التي تحترق باستمرار. ابني يعيش مع أطفاله الستة في خيمة لأنه لا يملك منزلاً يعود إليه. ليس وحده، فهناك آلاف العائلات في الوضع نفسه. فماذا قدمت لنا الحكومة العراقية؟"
ورغم مرور اثني عشر عاماً على الإبادة، الجراح ما تزال حاضرة في قلوب الأمهات، كما بقيت في ذاكرتهن المساعدة التي تلقينها خلال رحلة النجاة.
المجتمع الإيزيدي أدرك خلال الإبادة حقيقة أن حمايته ومستقبله يعتمدان على قدرته على تنظيم نفسه والنضال من أجل حياة حرة وكريمة ومتساوية، وأن العدالة والاعتراف بالإبادة ما زالا مطلبين لم يتحققا بالكامل.
النهاية...