من الإبادة الـ 74 إلى رحلة البحث عن الهوية والعدالة (5)
تحمل الأم كامو في ذاكرتها قصة مؤلمة من المعاناة والفقد، بعدما وقعت أسيرة لدى داعش خلال مأساة شنكال. عاشت أشهراً قاسية بين الخوف والحرمان، وفقدت عدداً من أفراد عائلتها، لكنها بقيت متمسكة بالأمل بانتظار معرفة مصير أبنائها المفقودين.
جيهان زيمو ـ كلستان عزيز
شنكال ـ لم يكن صباح الثالث من آب/أغسطس 2014 مجرد بداية يوم جديد، بل بداية فصل من الرعب لم تنتهي فصوله حتى اليوم بالنسبة إلى آلاف الإيزيديين، ومن بين هؤلاء، الأم كامو التي تروي حكاية نجاةٍ امتزجت بالفقد، وحياةٍ توقفت عند لحظة اقتحام داعش قراهم.
طرق شنكال ليست كما قد تتصورون أو كما تعرفون. فمعظم الطرق المؤدية إلى القرى سيئة، وكثير منها طرق ترابية. لذلك يستغرق وصولنا إلى تل عزير وقتاً طويلاً. أمّ ليلى، التي تعرفنا إليها خلال رحلة توثيق الفرمان، عرفتنا على الأم كامو الشاهدة على الفرمان.
في قرية تل عزيز، وسط البيوت المهدمة التي لم يبق فيها سوى منزل واحد تنبض فيه الحياة، تعيش أم كامو إلى جانب زوجها المريض الذي لم يعد قادراً على الوقوف منذ ما تعرض له خلال الإبادة، تقول وهي تستعيد ذلك الصباح، أن ابنها جاء إليها صباح يوم الفرمان وقال لها أن داعش دخل ناحية سيبا "لقد رأيت في منامي أنني وقعت في قبضة داعش"، مشيرةً إلى أنه عندما أخبرها ابنها بذلك جمعت أطفالها وقالت لهم "هيا بنا نغادر".
خرجوا جميعاً وساروا حتى تجاوزوا حدود القرية. لكن زوجها غيّر رأيه وقال "لن نذهب إلى أي مكان، سنعود إلى البيت" وتستذكر الأم كامو ذلك اليوم بقولها "عدنا إلى المنزل، أعددت الشاي وخبز التنور، لكن ابني خرج ليتفقد القرية، ثم عاد مسرعاً قائلاً: لم يبق أحد في القرية... تركنا الطعام كما هو وهربنا".
لم تمتلك العائلة سيارة، فسارت مع عشرات الأهالي باتجاه مركز شنكال، استطاع بعض أقاربهم إنقاذ عدد من أفراد الأسرة، بينهم زوجة ابنها الحامل والأطفال الصغار، لكن الأم كامو بقيت مع بقية أفراد عائلتها على الطريق، حيث سرعان ما وقعوا في قبضة داعش.
كانت المجموعة تسير بين الحقول عندما توقفت سيارة تقل مسلحين، حاول أحد الشبان المرافقين لهم استخدام سلاحه، إلا أن الأم كامو منعته قائلةً إن أي مقاومة ستؤدي إلى مقتل الجميع، وبعد لحظات بدأ المسلحون بإطلاق النار فوق رؤوسهم لترهيبهم، قبل أن يقتادوهم بالقوة إلى ناحية سيبا.
وهناك حاولت الأم كامو الوصول إلى ابنها بعدما أخبرها أحد المحتجزين أنه في سيارة أخرى، لكن أحد مرتزقة داعش منعها. تقول "قلت له: حتى لو قتلتني، سأذهب لأرى ابني"، إلا أن السيارة انطلقت بابنها نحو سوريا، بينما نُقلت هي مع بقية النساء إلى تلعفر، ومنها إلى الموصل.
في الموصل، احتُجزت مع عشرات النساء والأطفال داخل غرفة مظلمة لا يدخلها الضوء. تتذكر تلك الساعات قائلةً "لم نعد نرى بعضنا من شدة الظلام. قلت لهم: إما أن تقتلونا أو أخرجونا من هذا المكان".
كان في الغرفة واحد وعشرون شخصاً. ولم يغمض لهم جفن طوال الليل. وقبيل الصباح فقدت الأم كامو وعيها. وعندها فقط جاء المسؤول عنهم وفتح باب الغرفة. وبعد ذلك لم يُغلق الباب مرة أخرى.
بعد أيام، أخرجهم مرتزقة داعش إلى ساحة، وأوقفوهم في صف مقابل جدار، ثم أخبروهم أنهم سيقتلونهم جميعاً. عمّ البكاء بين النساء والرجال، فيما رفعت الأم كامو يديها إلى السماء وقالت "يا طاووس ملك، إن كان لنا عندك عمل خير، فاغفر لنا"، سمعها أحد المرتزقة وسألها "أتدعين طاووس ملك؟" فأجابته: "ومن أدعو غيره؟"، ورغم محاولاته لم ترضخ الأم كامو.
ولفتت إلى أن عملية الإعدام الجماعي لم تنفذ في ذلك اليوم "بعد فترة، دخل عناصر داعش إلى المكان الذي كنا محتجزين فيه، واختاروا عدداً كبيراً من الأسرى لأنفسهم، ثم وزعوا الباقين على الغرف وأغلقوا الأبواب عليهم".
وتابعت "بقينا محتجزين على هذه الحال تسعة أيام. وفي اليوم العاشر قالوا لنا إنهم سينقلوننا إلى مكان آخر. فقلت لهم "حتى لو قُطع رأسي، فلن أخرج من الموصل. أنا امرأة مريضة، ولن أنفعكم في شيء. لقد أسرتم عائلتي كلها، فإن أردتم قتلي فاقتلوني، لكنني لن أذهب إلى أي مكان".
أمضت الأم كامو ستة أشهر أسيرة لدى داعش، متنقلة بين الموصل وتلعفر، وتقول إن معظم الذين كانوا يحرسونهم كانوا من العرب المنضمين إلى داعش، وخلال تلك الأشهر، عاش الأسرى في ظروف قاسية، محرومين من الماء والخدمات الأساسية، حتى إنهم لم يتمكنوا من الاستحمام طوال أشهر الصيف "في تلعفر وزعوا الناس على المنازل، أما نحن فأدخلونا إلى حظيرة للأغنام. قمنا بتنظيف الحظيرة بأنفسنا، ودبرنا بعض الأدوات المنزلية لنستخدمها. بقينا هناك سبعة أيام، ثم أعادونا مرة أخرى إلى الموصل... وبعد ثلاثة أشهر، في إحدى الليالي، أحضروا إبريقاً فيه ماء وغسالة ملابس، وقالوا لنا: اغتسلوا".
وفي أحد الأيام، دخل مرتزقة داعش يحملون سجلاً بأسماء الأسرى، وبدأوا ينادون كبار السن. تقول الأم كامو "قالوا إن أحد أمرائهم أصدر عفواً عنا، وهكذا أُطلق سراحي. كنت الوحيدة من أسرتي التي خرجت بهذه الطريقة".
من أصل 13 فرداً من عائلتها اختطفهم داعش، عاد سبعة فقط، بينما لا يزال مصير ستة مجهولاً حتى اليوم، بينهم ابناها، وكنتها، وابنتاها، وحفيدها.
تقول الأم المكلومة إن أحد معارفها أخبرها لاحقاً أن ابنها "خوديدا" كان لا يزال حياً في منطقة البعاج مع داعش، وأن أحد الوسطاء حاول افتداءه بالمال، لكن قيادات داعش رفضت، مطالبين بإحضار أسيرين عربيين مقابل إطلاق سراحه، وهو شرط لم يكن ممكناً تحقيقه.
وبعد الإفراج عنها، قصدت الأم كامو معبد لالش، ثم أمضت عامين في مخيمات إقليم كردستان قبل أن تعود إلى شنكال لكنها تؤكد أن العودة لم تعنِ استعادة الحياة "الإبادة جعلتنا نشيخ قبل أواننا. قبلها لم أكن أعاني من أي مرض، أما اليوم فلا يوجد مكان في جسدي لا يؤلمني".
ورغم مرور السنوات، ما زالت تنتظر خبراً عن أبنائها المفقودين. بالنسبة إليها، لم يلتئم الجرح، بل ما زال ينزف كل يوم، لأن الألم لا ينتهي ما دام مصير أحبائها مجهولاً.
يتبع...