مجبرة عربية تحافظ على إرث عائلي مهدد بالاندثار
منذ طفولتها، اختارت نجاح جمول أن تتعلم مهنة التجبير العربي، لتواصل اليوم إرثاً عائلياً تشكلت ملامحه عبر سنوات طويلة من الممارسة، وسط حضور متراجع للطب الشعبي أمام تطور الطب الحديث.
روشيل جونيور
السويداء ـ في السويداء، تتراجع مهنة التجبير العربي التي ارتبطت لعقود بخبرات شعبية تناقلتها العائلات جيلاً بعد جيل، حتى باتت اليوم من المهن المهددة بالاندثار. ومع اقتصار ممارستها في الغالب على الرجال، تبدو النساء اللواتي اخترن دخول هذا المجال حالات نادرة، خصوصاً أن المهنة تتطلب جهداً بدنياً وخبرة متراكمة في التعامل مع إصابات وكسور مختلفة.
بالنسبة لـ نجاح جمول لا يمثل التجبير مجرد مهنة، بل إرثاً عائلياً ارتبط بوالدها الراحل، الذي كان مصدر معرفتها الأول، فيما تحولت سنوات العمل إلى مساحة لتطوير خبرتها وتكوين أسلوبها الخاص في الممارسة. وبينما تتراجع العديد من المهن الشعبية أمام تغير أنماط الحياة وتطور وسائل العلاج الحديثة، تتمسك نجاح جمول بما ورثته، وتأمل أن ينتقل هذا الإرث إلى جيل جديد من عائلتها قبل أن يندثر.
بدأت الحكاية من الطفولة
تعود بداية نجاح جمول مع المهنة إلى سنوات طفولتها، عندما كانت في بداية الصف الخامس. كان والدها يصطحبها معه ويطلب منها أن تبقى إلى جانبه وتراقب طريقة عمله. وتقول إن والدها كان يشجعها باستمرار، الأمر الذي ساعدها على تجاوز الخجل والخوف، وخصوصاً في التعامل مع المرضى من مختلف الأعمار.
ومع مرور الوقت، بدأت تكتسب الثقة والخبرة، وأصبح بإمكانها التعامل مع الحالات التي تصل إلى منزل العائلة، سواء كان أصحابها أطفالاً أو شباناً أو نساءً أو كباراً في السن. وتستذكر إحدى الحالات التي لا تزال عالقة في ذاكرتها، عندما وصل إلى منزلها طفل في عمرها تقريباً، كان قد تعرض لحادث أثناء ركوب الدراجة الهوائية في بلدة عنز، على مسافة نحو عشرة كيلومترات من صلخد.
كان الطفل يعاني من إصابة بالغة ونزف شديد وكسور متعددة، فيما كانت الإمكانات الطبية المتاحة في ذلك الوقت محدودة، ولم يكن في صلخد مشفى، ما كان يضطر المرضى إلى الانتقال إلى السويداء لإجراء الصور الشعاعية.
تقول نجاح جمول إن والدتها شجعتها حينها على مواجهة الموقف، فقررت أن تتحمل المسؤولية، لتكون تلك التجربة واحدة من المحطات التي عززت ثقتها بنفسها ورسخت ارتباطها بالمهنة.
لم تحصل على تعليم أكاديمي في مجال التجبير، وتقول إن المعرفة النظرية وحدها لا تشبه التطبيق العملي، وإن كل حالة كانت بالنسبة إليها تجربة جديدة تضيف إلى خبرتها.
ومع تراكم التجارب، أصبحت الحالات الصعبة تمثل تحدياً بالنسبة إليها، وتشير إلى أن نجاحها في التعامل معها ساهم في بناء ثقة الناس بها، وهي ثقة لم تأتي بسهولة وإنما احتاجت إلى سنوات من العمل والنتائج والسمعة.
مهنة على حساب الوقت والأسرة
لم يكن استمرار نجاح جمول في المهنة أمراً سهلاً، خصوصاً بعد زواجها وانتقالها إلى منزل زوجها. فعملها لم يعد مرتبطاً بساعات محددة، بل أصبحت تستقبل المرضى في أوقات مختلفة، وفي ساعات متأخرة من الليل أو في الصباح الباكر.
وتشير إلى أنها تعاملت مع حالات من مناطق مختلفة، منها السهوة ومياماس وعرمان، مؤكدة أن وصول المرضى إليها من خارج منطقتها هو، بالنسبة لها، دليل على الثقة التي اكتسبتها خلال سنوات عملها.
وتضيف أن بعض الأشخاص باتوا يقطعون مسافات طويلة للوصول إليها، لأنهم، كما تقول، يبحثون عن شخص يثقون بخبرته.
"الجانب المادي لم يكن الدافع الأساسي"
تؤكد نجاح جمول أن الجانب المادي لم يكن الدافع الأساسي وراء استمرارها في المهنة، قائلة إن هدفها منذ البداية كان مساعدة الناس والتخفيف من آلامهم، وخصوصاً المرضى الذين لا تسمح أوضاعهم المادية بتحمل تكاليف العلاج.
وتشير إلى أنها ساعدت الكثير من الحالات من دون مقابل كبير، معتبرة أن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في مساعدة المريض وتخفيف معاناته، وتنظر إلى ما تتقاضاه أحياناً على أنه "رمز" مقابل الجهد، وليس عائداً مادياً يعادل المسؤولية التي تتحملها.
إرث تريد أن يبقى
ترى نجاح جمول أن مهنة التجبير العربي تستحق أن تنتقل من جيل إلى آخر، وتخشى أن يؤدي توقف ممارستها إلى ضياع خبرة شعبية تراكمت عبر سنوات طويلة، لافتةً إلى أن بناتها اكتسبن بعض الخبرة، لكنهن لم يمارسن المهنة بصورة فعلية حتى الآن، فيما تأمل أن يحمل أحد أفراد عائلتها هذا الإرث مستقبلاً، معتبرة أن انتقال المعرفة بين الأجيال هو السبيل للحفاظ عليها "قد يعيش الإنسان سنوات قليلة أو كثيرة، لكن المهم بالنسبة إليها أن تستمر المهنة بعد رحيله".
وتؤكد أن التجبير ليس مهنة سهلة، وأن طبيعتها تتطلب جهداً بدنياً كبيراً، الأمر الذي يجعل دخول المرأة إليها أكثر تحدياً، فالتعامل مع بعض الحالات يحتاج إلى قوة عضلية وتحمل، وإن سنوات العمل انعكست على جسدها ومفاصلها وعضلاتها.
إلى جانب التجبير، تعلمت نجاح جمول ومارست بعض أساليب الطب الشعبي، ومنها الكي، كما تقول إنها تعاملت مع حالات مرتبطة بآلام الرقبة والظهر والديسك.
وتبقى هذه الممارسات، في المقابل، ضمن نطاق الطب الشعبي، ولا تغني عن التشخيص الطبي والمتابعة لدى الأطباء، خصوصاً في حالات الكسور والإصابات الخطرة ومشكلات العمود الفقري التي قد تحتاج إلى تصوير شعاعي أو تدخلاً جراحياً.
بين الإرث الشعبي والطب الحديث
تضع تجربة نجاح جمول مهنة التجبير العربي أمام سؤال أكبر يتعلق بمصير المهن الشعبية التي اعتمدت على الخبرة المتوارثة، في ظل تطور الطب الحديث وتوسع الخدمات الصحية.
وبالنسبة إلى نجاح جمول، فإن الحفاظ على المهنة لا يعني التخلي عن الطب الحديث، وإنما الحفاظ على المعرفة الشعبية التي ترى أنها ساعدت، في بعض الحالات، على تخفيف معاناة المرضى.