"معبر رفح"... مصيدة ذل لنساء غزة العائدات
تحقيق وإهانات وسرقات، هذه الانتهاكات وغيرها تعيشها النساء العائدات إلى قطاع غزة من معبر رفح من قبل القوات الإسرائيلية.
رفيف اسليم
غزة ـ تلقت انتصار أبو عكر شتى أشكال العذاب، خلال عودتها لمدينتها من مصر عبر معبر رفح البري جنوب قطاع غزة، والذي تسيطر عليه حالياً قوات دولية وإسرائيلية من الجانب الفلسطيني، وعلى الرغم من علمها بما ستكابده خلال رحلة العودة، اختارت العودة إلى وطنها ولعائلتها التي بقيت بعيدة لمدة ثلاث أعوام.
تروي انتصار أبو عكر ما حدث لها عند العودة إلى أرض الوطن "عندما تواصلت معي السفارة الفلسطينية بشأن التسجيل للعودة إلى القطاع، لم أتمالك نفسي من الفرحة وسارعت في ذات اليوم لملء البيانات المطلوبة"، ولم تكن تصدق حقيقة العودة لبحر غزة، واستنشاق عطره من جديد، فهو الأمل الذي عاشت عليه لسنوات وتمنت رؤيته حقيقة.
وعندما أعلن الجانب الإسرائيلي على المواقفة، استفاقت من الصباح الباكر وجهزت حقيبة واحدة كما هو في التعليمات، متجنبة أخذ أي شيء آخر من الممنوعات كي لا تشكل عقبة في طريقها نحو مدينتها.
رحلة المعبر
كان الوصول من الجانب المصري للمعبر يسير بشكل جيد، لكن الحال انقلب عند الوصول إلى الجانب الفلسطيني، ففوراً تم اقتيادهن كما "تجر الدواب"، وأخذ ما معهن من الطعام والشراب والتخلص منه في القمامة، وانهالت الشتائم على النساء.
وكشفت طريقة معاملتهن على النحو التالي: "اصطفت النساء في طابور، وقيدت أيديهن بأربطة بلاستيكية مشدودة بحيث شعرت كل واحدة أن يديها ستقطع، وكبلت أرجلهن بالحديد، وعصبت أعينهن بشرائط سوداء، وتم اقتيادهن واحدة تلو الأخرى إلى مركز التحقيق، على الرغم من أنهن مدنيات لا يعرفن أي شيء عن أحداث السابع من أكتوبر".
بدأ التحقيق في غرفة معتمة لا ترى فيها شيئاً، يسأل المحقق دون انتظار إجابة، يضرب الطاولة، وينعتها بأقذر الشتائم، ثم يعيد سؤاله. ثم يعرض عليها مقطع فيديو ويطلب منها التعرف على الشخصيات داخله. تهز رأسها نافية، ويعاود شتمها، وهكذا قضت ساعتين متواصلتين، طالبة منه أن يكف عن سؤالها بما لا تعرفه.
لم تكن ساعات التحقيق متواصلة فقط، فبعد إنهاء ساعتين من الاستجواب، أمر الجندي بسحبها ورميها في مكان بارد لمدة ساعة وحدها، ترافقها فكرة واحدة وهي "سيأخذونني أسيرة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ولن أرى أولادي بعد اليوم"، وبعد انقضاء المدة، أعاد الجنود سحبها لغرفة التحقيق، حيث كرروا ذات الأسئلة فأعادت ذات الإجابات، ثم تركوها تمضي.
عندما أزالوا العصبة عن عينها، صعقت مما رأت فإلى الجانب الأيمن كانت جندية إسرائيلية، وإلى جانبها الأيسر فلسطينية كانت قد جندتها القوات الإسرائيلية للعمل معها ضمن المليشيات المسلحة، حينها انتقل تفكيرها مما عاشته إلى ما رأته، لتكتشف أن المليشيات المسلحة واقع حقيقي، وليس وهماً يروج له الإعلام العبري.
وتضيف أنها عندما سُلمت إلى القوات الدولية كانت منهكة ومريضة، فسارعوا لعرضها على الطبيبة المختصة، وساعدها في الوصول إلى الحافلة التي ستقلها إلى مدينتها بعد اعتذارهم لها عن تصرف القوات الإسرائيلية القاسية بحقها وحق النساء، لكنها شبهت اعتذارهم بـ"قبلة على جبين ميت"، فلا شيء يغير ما حدث، وما عليهم إلا منع حدوث مثل الانتهاكات مستقبلاً.
مشت الحافلة من أقصى الجنوب رفح، بلدتها التي تركتها قبل الهجوم، وكان لها منزلها وعائلتها، لكنها لم تستطع التعرف على الطرقات، فقد كان ما تراه على مد البصر هو رمال وبيوت مدمرة، وأضحت رفح صحراء قاحلة حتى وصلت الحافلة إلى مدينة خانيونس التي طال مشارفها الخراب أيضاً.
العودة رغم فقدان كل شيء
عندما وصلت الحافلة، وجدت انتصار أبو عكر الكثير من المهنئين على العودة سالمة إلى القطاع، ظنت في البداية أنهم أولادها لكنها اكتشفت أنهم أغراب تجمعوا من كافة المحافظات ليساعدوا العائدين في حمل الحقائب، ويهللون ترحيباً بعودتهم، وبدأت هي تسلم على كل فرد وكأنه من عائلتها حتى وجدت ابنها، فتيقنت لماذا كانت تريد العودة لبلادها وأهلها، ومقتت كل لحظة عاشتها وحدها بالغربة.
تتذكر ما قبل الهجوم خلال رحلة علاجها في تركيا، حيث سرقت حقيبتها التي كانت تحتوي على جواز سفر وهوية وكل ممتلكاتها، لجأت للسفارة الفلسطينية التي أخبرتها أن الأمر يحتاج وقتاُ طويلاُ، واندلعت حرب غزة حينها، فشعرت بالغصة كونها لم تكن وسط أولادها، وفور انتهاء الأوراق توجهت نحو مصر لتكون قريبة من مدينتها.
وعندما وصلت لخيمة أولادها في مواصي خانيونس، فتحت الحقيبة ووجدت غالبية محتوياتها قد سرقت بالكامل، لكن كانت سعيدة لأنها برفقة أولادها لأول مرة منذ ما يقارب الثلاث سنوات، وهذا إنجازها الأكبر رغم صعوبة العيش في المدينة المحاصرة.
اليوم تبدأ انتصار أبو عكر من الصفر لا خيمة لها، لا فراش، لا كرسي، لا أدوات منزلية، لا ملابس، فقد سرقت ملابسها على المعبر وحرق الباقي خلال الغارات على رفح، لكنها تؤكد أنها صامدة على أرضها ولن تنصاع للمحتل، وأن لا شيء يضاهي تراب الوطن ومقدساته، وستبقى المرأة الفلسطينية حارسة بالمرصاد كما تؤكد.