كيف تُشكل الثقافة الجغرافية حياة النساء في الأردن؟
تحدد الحكومة حياة النساء عبر سياساتها وخدماتها وتفاوت التنمية بين المدن والأطراف، فتنتج واقعاً تختلف فيه فرص النساء باختلاف المكان، ويتحوّل فيه العنوان السكني إلى عامل حاسم في العمل والأمان والحركة.
براءة معايعة
الأردن ـ في الأردن، لا يُعد المكان عنصراً محايداً في حياة النساء، بل إطاراً منظما للعلاقات والفرص والحدود، فالحي، والمدينة، والمحافظة، لا تحدد فقط شكل الخدمات المتاحة، بل ترسم أيضاً سقف الحركة والعمل والأمان، وتنتج أنماطاً مختلفة من التجارب النسائية داخل البلد، هكذا تتحوّل الجغرافيا إلى عامل اجتماعي وسياسي، يتقاطع مع النوع الاجتماعي ليعيد توزيع الفرص بشكل غير متكافئ.
وعلى الرغم من الخطاب الرسمي حول تمكين النساء وتعزيز مشاركتهن في المجال العام، لا تزال الفجوة بين السياسات المعلنة والواقع اليومي واسعة، فغياب بنية نقل عادلة، وتفاوت التنمية بين المناطق، واستمرار الأعراف الاجتماعية المقيدة، يضع النساء أمام حسابات يومية معقّدة قبل اتخاذ أبسط القرارات، ومنها الخروج للعمل، وإكمال التعليم، أو حتى التنقّل الآمن، وفي هذا السياق، لا يمكن فصل اختيارات النساء عن شروط الحكومة والمجتمع التي تُعيد تشكيل هذه الاختيارات باستمرار.
فالجغرافيا قد تصبح قضية مركزية لفهم واقع النساء في الأردن، لأنها تكشف كيف تعمل السلطة خارج القوانين المكتوبة، عبر المكان والخدمة والسمعة والرقابة، فالتقاليد لا تواجه التغيير بشكل مباشر، بل تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتفرض كلفتها بصمت، وبين ما هو قائم وما يُفترض أن يتغير، تعيش النساء صراعاً مستمرا مع المكان، بوصفه مساحة حياة وساحة اختبار في آن واحد.
مشاركة منخفضة تكشف اختلالات بنيوية
ورغم الخطاب الرسمي المتكرر حول تمكين النساء، لا تزال المشاركة الاقتصادية للنساء في الأردن من الأدنى إقليمياً، وتشير بيانات مسح القوى العاملة إلى أن معدل مشاركة النساء بلغ 14.9% في عام 2024، مقابل 53.4% للرجال.
هذه الفجوة لا تعبّر عن "عزوف" نسائي بقدر ما تكشف عن اختلالات بنيوية، تبدأ من سياسات النقل والعمل، ولا تنتهي عند الأعراف الاجتماعية التي تُقيّد حركة النساء وتضع عليهن كلفة إضافية لمجرد الخروج إلى المجال العام.
نموذج اجتماعي
في هذا السياق، لا تبدو قصة منتهى تيم حالة فردية، بل انعكاساً حياً لكيف يستغل المكان كسلطة غير مرئية على النساء، كونها تُحدّد لهن ما هو "ممكن" وما هو "مسموح".
تقول منتهى تيم "أنا أصغر أخواتي، عمري 52 سنة، والدتي كانت تمتلك وعياً حاداً بأهمية استقلال المرأة الاقتصادي. كانت دائماً تقول لي المرأة التي لا تستطيع تدبير شؤونها ليست امرأة، وهي جملة تختصر فلسفة كاملة عن النجاة في مجتمع لا يضمن للنساء الأمان الدائم".
التعليم كأداة مقاومة لا كامتياز
لا تتوفر مظلة حماية كافية للنساء بعد الطلاق أو الفقد في الداخل المحلي، مما جعل التعليم يتحول من حق إلى أداة مقاومة، هذا ما أدركته منتهى تيم حين قررت بيع ذهبها لإكمال دراستها الجامعية بعد الزواج "أمي قالت لي بيعي ذهبك، فالشهادة ستعوضك لكن الذهب لن يجلب لكي شهادة"، وهذا القرار لم يكن رفاهية، بل استثماراً في مستقبل غير مضمون، ورسالة واضحة بأن الحكومة قد لا تكون شبكة أمان، وأن المرأة مطالبة ببناء أمانها بيدها.
العمل والطريق... حين تتحوّل المسافة إلى عبء
في السياسات العامة، يُنظر إلى العمل بوصفه فرصة، لكن في حياة النساء، يُصبح الطريق إلى العمل معركة يومية، فقد عملت منتهى تيم لأكثر من 31 عاماً، وكان أول تعيين لها في مخيم البقعة، ما فرض عليها الخروج من المنزل قبل الفجر يومياً.
تقول "كنت أغادر المنزل تقريباً الساعة الخامسة صباحاً لكي أكون في المدرسة الساعة7:30"، هذه التفاصيل تكشف كيف تتحوّل المسافة، في ظل غياب نقل عام آمن وفعّال، إلى كلفة مضاعفة تتحملها النساء وحدهن.
وتؤكد تقديرات البنك الدولي أن 47% من النساء في الأردن رفضن فرص عمل بسبب مشاكل النقل من حيث التوفر والكلفة والأمان والتحرش، وهو رقم يضع مسؤولية واضحة على سياسات الحكومة لا على خيارات النساء.
التحرش كأداة إقصاء
في المجال العام، لا تواجه النساء فقط نقص الخدمات، بل أيضاً غياب الأمان، تقول منتهى تيم بوضوح أن "المتحرش لا يهتم لكونكِ محجبة أو غير محجبة… المتحرش يراكِ أنثى ويتحرش".
وفي غياب آليات حماية فعالة، يتحول التحرش إلى أداة إقصاء غير معلنة، تدفع النساء إلى الانسحاب، وتقليص الحركة، وإعادة التفاوض يومياً على حقهن في الوجود خارج البيت.
حين تتقلص الخيارات وتتضخم الرقابة
تفاوت التنمية بين العاصمة والمحافظات لا ينعكس فقط على الخدمات، بل على شكل الحياة الاجتماعية، فتصف منتهى تيم انتقالها إلى إربد بقولها "مدينة… لكن شعرت أنها قرية كبيرة".
ويمكن القول أن الفضول، الرقابة، والوصم، باتت جزءاً من الحياة اليومية، فتحكي منتهى عن مناداتها بـ"المفرعة" لكونها غير محجبة، وعن ربط مظهرها بدينها "قالوا أني مسيحية مع إني مسلمة"، وهنا لا يكتفي المجتمع بمراقبة النساء، بل يُعيد تعريفهن، ويعاقبهن على هذا التعريف.
عبء العمل المنزلي الذي لا تحتسبه الحكومة
حين تنجح النساء في اختراق سوق العمل، يبقى العبء المنزلي عاملاً حاسماً، فالعمل الرعائي غير المدفوع، وغياب الحضانات، وعدم تقاسم الأدوار، كلها عناصر تُقوّض استمرارية النساء في العمل.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل "اختيار" المرأة عن البيئة المحيطة بها، ولا تحميلها مسؤولية قرارات تُفرض عليها بسبب السياسات والواقع الاجتماعي.
في إربد، تصف منتهى واقع النقل الداخلي بأنه غير فعال، ما اضطرها لاستخدام سيارات الأجرة "4 دنانير لليوم الواحد. أدفع شهرياً 120 دينار من المرتب".
هذه الأرقام توضح كيف يتحول المكان إلى عبء اقتصادي دائم، يدفع النساء للاختيار بين العمل أو الاستنزاف، أو الانسحاب الكامل.
تغيير بطيء ومسؤولية مؤجلة
رغم ارتفاع مشاركة النساء اقتصادياً مقارنة بالعام السابق، لا يزال التقدم بطيئاً، فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بالخطاب، بل بسياسات نقل عادلة، وبيئات عمل مرنة، وحماية فعلية من العنف والوصم.
قصة منتهى تيم ليست استثناء، بل مرآة لواقع تعيشه آلاف النساء في الأردن، فالمكان بما يحمله من خدمات ناقصة، وأعراف صارمة، ونقل غير آمن، يتحول إلى قضية نسوية بامتياز، لأنه يعد رقيب فنجده متحكم في حركة النساء وتنقلهن ويحدد من تخرج، ومن تعمل، ومن تنسحب بصمت.
ويمكن القول أنه حين تتغير تفاصيل المكان، يتغير مصير النساء ويصبح العمل حقاً لا مجازفة، وتغدو الحركة فعلاً طبيعياً لا مخاطرة، وتتحول الجغرافيا من قيد إلى مساحة حياة.