كيف غيرت شابة تونسية مفهوم الإعاقة؟
شابة تونسية تعرضت لحادث سير أفقدها بصرها كلياً ولكنها تحدت الإعاقة لتصبح صانعة محتوى مشهورة وتحصل بذلك على لقب صانعة السعادة.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ تقترن الحكمة القائلة بأن "الإعاقة هي إعاقة الفكر وليس الجسد" بالعديد من التجارب الإنسانية، إلا أن الناشطة بالمجتمع المدني وعضوة جمعية "إبصار"، ليلى قاسمي، قدمت تجسيداً حياً واستثنائياً لهذا المفهوم بعد فقدانها البصر. لم تكتفِ بتحدي واقعها، بل أعادت تعريف الرؤية، مشددة على أن السلام الداخلي والرضا قد يبلغان لدى أصحاب الهمم مستويات تعجز عن إدراكها أجساد مكتملة الأعضاء لكنها خاوية العزيمة.
في هذا الإطار تحدثت الناشطة في المجتمع المدني ليلى قاسمي عن تجربتها مع الإعاقة البصرية "كنت مبصرة وأتابع دراستي وأعيش حياة عادية إلى أن تعرضت لحادث سير في عام 2003 وبعد رحلة علاج طويلة وعمليات جراحية متعددة دامت إلى حدود عام 2010 فقدت البصر نهائياً وبدأت حياة جديدة مختلفة عن سابقتها وعملت على أن أسخر كل حواسي والعناصر المحيطة بي لأستطيع التأقلم مع الحياة الجديدة".
وتروي "عشتُ مرارة فَقد البصر في السابعة عشرة من عمري، وهو ألم لا يحتمل لفتاة في هذا السن. ورغم قسوة الصدمة، اخترت مواجهة التحدي؛ فواصلت تعليمي حتى نلت وظيفتي، ودخلت عالم صناعة المحتوى. أهدف اليوم من خلال فيديوهاتي إلى إثبات أن الحياة تظل جميلة رغم نواقصها، وأن الإيجابية والعزيمة والإصرار كفيلة بالقضاء على أي عقبة وتحويلها إلى أمل".
ولم تخفِ أنها شعرت في البداية بالإحباط والاكتئاب ودخلت في دوامة من التساؤل "كيف حدث معي هذا؟ ولماذا؟ ولماذا أنا بالذات؟"، ولفتت إلى أنها كان يتردد على ذهنها بأنها كيف ستبقى داخل المنزل طوال الوقت، لكن سرعان ما اقنعت نفسها بأن الإعاقة البصرية ليست نهاية العالم طالما أن هناك إرادة، فقررت الخروج ومواصلة الحياة بأسلوب جديد.
وأضافت "حالياً أعمل بالإدارة الجهوية للصحة ونائبة بالمجلس المحلي للتنمية ومؤخراً تحولت إلى مؤثرة وصانعة محتوى على مواقع التواصل الافتراضي وأعيش حياتي بطريقة طبيعية حيث أقوم كل صباح وأجهز فطوري، ثم أجهز نفسي للخروج وأتوجه نحو عملي دون مساعدة أحد".
وبالعودة إلى تفاصيل فقدان البصر، قالت "ضربتني سيارة بالشارع فسقطت على رأسي وتسبب ذلك السقوط في إصابة القرنيتين بالتهابات وبما أنني كنت أعاني من ضغط العين تدهورت حالتي وقضيت سنوات وأنا ارتاد الأطباء وأقوم بالعمليات الجراحية إلى أن فقدت بصري تماماً وأنا في الرابعة والعشرين من عمري".
تحدي الإعاقة
يربط الكثيرون بين فقدان البصر والتبعية المطلقة للآخرين، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمرأة ومسؤولياتها المعقدة بين البيت والعمل والتسوق. لكن ليلى قاسمي تكسر هذا النمط؛ تؤكد أن المرأة الكفيفة سواء ولدت بإعاقتها أو اكتسبتها، قادرة على إدارة حياتها تماماً، بل ترى أن من ولدت دون بصر تمتلك ميزة التعود منذ الصغر.
وتقول "يقتصر دور من حولي على مساعدتي في تصفح وسائل التواصل لتوضيح الصور التي لا أراها، عدا ذلك، أبدأ يومي بإعداد فطوري بنفسي، ثم أنطلق إلى عملي رغم غياب البنية التحتية المهيأة. أعتمد كلياً على هاتفي الذكي الذي بات عيني البديلة؛ أتعرف من خلاله على الأشياء والألوان، وحتى عند تسوق الملابس، هو مرشدي الأول".
لم تعد العزلة خياراً؛ فالإنترنت والتكنولوجيا الحديثة فتحا أبواباً جديدة للاستقلالية أمام ذوي الإعاقة البصرية حول العالم. تؤكد ليلى قاسمي أن التقنية اليوم باتت تضيء عتمة الطريق؛ فهي ترسم المسارات وتحدد الاتجاهات بدقة، فضلاً عن ظهور ابتكارات ثورية كالنظارات الذكية، الساعات الرقمية، والعصا الذكية التي تحولت إلى عيون تكنولوجية تبصر بدلاً عنهم وتمنحهم حرية الحركة.
صانعة السعادة
لم تقف علاقة ليلى قاسمي بالتكنولوجيا عند حدود تسهيل حياتها اليومية، بل حوّلتها إلى منصة للتغيير عبر صناعة محتوى هادف يُلهم ذوي الإعاقة البصرية ويحثهم على التأقلم والصمود. وتقول "دافعي الأساسي لدخول هذا العالم هو كسر النظرة النمطية للمجتمع؛ أريد أن يفهم الجميع أننا أشخاص عاديون جداً، قادرون على العطاء والإنجاز تماماً كأي شخص آخر".
وعن بداياتها الرقمية، كشفت عن حجم العقبات التي واجهتها قائلة "اصطدمتُ في البداية بعدم تقبل بعض المتابعين، وتعرضت لسلوكيات تنمر وسخرية ناتجة عن غياب الوعي بمدى إيلام هذه التصرفات لذوي الإعاقة. ورغم ذلك، أثمر عامٌ كامل من المثابرة والجهد عن تغيير هذه الصورة النمطية، حيث نجحتُ في إقناع الجمهور بأن العجز البصري هو عارض صحي قد يواجهه أي شخص، وتوجتُ هذا النجاح بتحولي إلى مصدر طاقة إيجابية حتى أطلقوا عليّ لقب "صانعة السعادة".
وتعتبر ليلى قاسمي أن أعظم إنجازاتها يتجسد في تغيير وعي المارة بالشارع؛ والذين تجاوزوا حاجز الرفض وباتوا يتسابقون لتقديم المساعدة الإنسانية لها، سواء في عبور الطرقات أو تأمين مكان للجلوس.
وحول مضمون الرسائل التي تتوجه بها إلى متابعيها وجميع الناس قالت "أحب نفسك كما هي، أحب نفسك لأن من هم بجوارك سوف يحبونك، تعرّف على قدراتك والأمور التي يمكنك فعلها، أصنع من روحك شيئاً يمكن أن يغير فيك أشياء وغداً يمكنك تغيير المجتمع".
وعن نشاطها المدني، أشارت ليلى قاسمي إلى دورها كعضوة فعالة في جمعية "إبصار"، حيث تركز على الشق الإعلامي والتوعوي لإيصال المعلومات الدقيقة للمجتمع. واختتمت حديثها بوصف الجمعية بأنها "العائلة الثانية" التي ساندتها في تخطي العقبات، مشيدة بدورها في توعية ذوي الإعاقة البصرية بحقوقهم وواجباتهم لضمان اندماجهم المجتمعي الكامل، وهو ما تراه خطوة أولى تفوق التمكين الاقتصادي أهمية، تجسيداً للمثل القائل "لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصطادها".