"جدّة الصور"... هانا سامان وأرشفة الوجه القديم لمدينة السليمانية
في أسواق وأزقة السليمانية القديمة بإقليم كردستان، تتجول الشابة هانا سامان وهي تحمل كاميرتها، تلتقط صور الأطفال وكبار السن والأماكن القديمة في المدينة، وتحاول الحفاظ على جزء من ذكريات المدينة للأجيال القادمة.
هيلين أحمد ـ هيفي صلاح
السليمانية ـ في أزقة السليمانية القديمة، كلما ظهرت هانا سامان حاملة كاميرتها، وقبل أن تتحدث مع أحد، تأتي أصوات الأطفال قائلة "جدّة الصور جاءت"، وقد أصبح هذا الاسم بالنسبة لها لقباً محبباً يعرفها به سكان الأزقة التي تجوبها بكاميرتها منذ سنوات طويلة.
تعمل هانا سامان البالغة من العمر 32 عاماً، حالياً في "تلفزيون المرأة" jin tv، لكن بعد انتهاء عملها اليومي، تحمل كاميرتها وتتوجه إلى شوارع وأزقة المدينة، وما يدفعها إلى ذلك ليس التصوير بحد ذاته فقط، بل هو محاولة لتوثيق ذلك الجزء من حياة السليمانية المهدد بالنسيان بسبب تغيرات المدينة ومرور الزمن.
"هدفي إحياء الروابط الاجتماعية لدى الأجيال القادمة"
في السوق القديم، غالباً ما تذهب إلى أصحاب المهن والعمال الذين يعملون منذ سنوات طويلة في المكان نفسه، وتلتقط صوراً لوجوههم، لكنها قبل ذلك تستمع إلى أحاديثهم، لأن وراء كل وجه متقدم في السن قصة سنوات طويلة من حياة المدينة "بدأت عملي في التصوير من السوق القديم. جربت أساليب مختلفة في التصوير، لكن بسبب علاقاتي الاجتماعية اخترت التصوير في الشوارع وتصوير القصص المصورة. أعمل في مجال التصوير منذ أكثر من 12 عاماً، وأزور أسواق وأزقة السليمانية القديمة".
وأضافت "هدفي هو جمع وحفظ الصور والأحداث وتفاصيل الحياة البسيطة التي نشاهدها في الأسواق والأزقة، حتى أتمكن من تقديم شيء مفيد للأجيال القادمة، وعندما ألتقط صورة، أطبعها على الورق وأعيدها إلى صاحبها، لكي أحافظ على ذلك الأسلوب والثقافة القديمة التي التُقطت الصور في ظلها، وحتى لا تفقد الأجيال الجديدة تلك الثقافة، ولكي تبقى صورهم محفوظة من خلال طباعتها".
تقول أن علاقتها مع الأشخاص لا تنتهي بانتهاء التقاط الصور "علاقتي بالكثير من الأشخاص تستمر بعد التقاط الصور، فعندما أصور صاحب متجر أو شخصاً آخر، وأعيد إليه صوره، تستمر علاقتنا الاجتماعية، وفي كثير من الأحيان، إذا رأوني مرة أخرى في أي مكان واحتجت إلى مساعدتهم أو أردنا تنفيذ برنامج في مكان قريب منهم، فإنهم يساعدوننا".

تحافظ على ذكريات الأزقة القديمة وكبار السن
وبالنسبة لها فإن ذلك العامل المسن ليس مجرد شخص يعمل في السوق، بل هو جزء من تاريخ ذلك السوق، والأمر نفسه ينطبق على أطفال الأزقة، فالطفل الذي يقف أمام كاميرا هانا سامان لالتقاط صورة قد يكون اليوم مجرد طفل من أطفال الحي، لكنها تريد أن تبقى صورته للمستقبل؛ لليوم الذي يكبر فيه ذلك الطفل، ويتمكن من النظر إلى صورته ومعرفة كيف كان زقاقه في سنوات طفولته.
في عمل هانا سامان، لا ينتهي التصوير بمجرد تسجيل لحظة معينة، فكثيراً ما تعود بعد التقاط الصورة إلى صاحبها؛ فإذا التقطت في أحد الأزقة صورة لطفل أو امرأة أو رجل مسن، تأخذ الصورة إليهم، لكيلا تبقى محفوظة في أرشيفها الخاص فقط، بل تبقى أيضاً لدى الشخص نفسه.
"حي سابونكران هو الحي الأكثر تميزاً"
وتزور العائلات القديمة في السليمانية، ولا سيما العائلات التي عاشت في الأحياء القديمة للمدينة ولا يزال فيها أشخاص كبار في السن. ففي أحياء مثل سابونكران وكانيسكان وغيرها تحاول أن توثق ذكريات الأشخاص الذين ارتبطت حياتهم بهذه الأماكن.
ولفتت إلى أن الكثير من أزقة السليمانية القديمة لا تزال تحتفظ بثقافتها، وإن أحواض المياه التي وُضعت لتوفير مياه الشرب للناس تمثل عملاً جيداً للحفاظ على الثقافة الكردية، مشيرةً إلى أنه رغم زيارتها لمختلف الأزقة، فإن لديها شعوراً خاصاً تجاه حي سابونكران في السليمانية "أزور الأزقة يومياً، وكل مكان في مدينتي مهم بالنسبة إليّ، لكن حي سابونكران يتميز بالنسبة لي بخصوصية معينة، لأنني ولدت في أحد بيوتها، لذلك عندما أزور هذا الحي، لا أكون مجرد عابرة سبيل أو شخص يأتي لإنجاز عمل، بل أشعر بجمال الحي وأرتبط به بشكل خاص".

"أنا جدّة الصور عند الأطفال وعند كبار السن أنا ابنتهم"
وأشارت إلى أن لقب "جدّة الصور" هو أجمل لقب بالنسبة إليها، لأنه جعلها معروفة بهذا الاسم عندما تظهر في الحي "عندما ألتقط صوراً للأطفال، أعيد إليهم صورهم، ولذلك عندما أظهر في زقاقهم يقولون لي: جدّة الصور جاءت، وهذا فخر وإنجاز مهم بقي بالنسبة إليّ".
وأوضحت أن زياراتها للأحياء القديمة أنتجت لها العديد من القصص المختلفة "في أحد الأيام خرجت من المنزل في وقت مبكر لكي ألتقط صور السوق القديم والأزقة في الصباح، وجلست لأستريح أمام باب أحد المنازل وثبّتُّ كاميرتي حتى ألتقط صورة لنفسي. فُتح الباب وخرج رجل مسن اسمه العم بكر. كان شخصاً لطيفاً جداً، فنادى زوجته ليسألها لمن تكون هذه الكاميرا".
وتابعت "ذهبت إليه وعرفته بنفسي، فاستقبلني بكل لطف وكرم كردي، وأخذني إلى منزله، وتحدثنا طويلاً، كما حدثني عن حياتهم وكيف بنوا هذا البيت الذي تبلغ مساحته 50 متراً مربعاً، بالنسبة إلى كبار السن، تكون زيارتنا لهم وقتاً ممتعاً، لأنهم يعيشون بمفردهم، وهم دائماً بحاجة إلى الحديث والتواصل".
واختتمت هانا سامان حديثها بالتأكيد على أن الحفاظ على الصور "مسؤوليتنا نحن الصحفيين، فلنكن جميعاً معاً جامعي الثقافة وذاكرة مدينتنا، وحماتها، والحافظين على صورتها وقيمتها".