غياب الحماية وعودة طالبان... العنف الأسري في أفغانستان مأساة تتعمق

لقد جعل العنف المنزلي ضد المرأة في أفغانستان، حياة ملايين النساء ساحة للخوف والمعاناة، ومع عودة طالبان وتفكيك مؤسسات الدعم، يزداد هذا الواقع قسوة ووحشية يوماً بعد يوم.

بهاران لهيب

بلخ ـ يُعدّ العنف الأسري ضد النساء في أفغانستان من أخطر التحديات الاجتماعية وأكثرها انتشاراً، إذ يستند إلى منظومة معقدة من الأعراف التقليدية والثقافية وعدم المساواة بين الجنسين، حيث تتعرض العديد من النساء داخل الأسرة لأشكال متعددة من العنف، غير أن الخوف من الوصمة الاجتماعية، وضغوط العائلة، وغياب شبكات الدعم، يدفعهن غالباً إلى الصمت وعدم المطالبة بحقوقهن، وهكذا يتحول المنزل، الذي يفترض أن يكون ملاذاً آمناً، إلى مصدر دائم للقلق والمعاناة.

يُعدّ أحد العوامل الأساسية في انتشار العنف الأسري تلك المعتقدات الثقافية الخاطئة والتفسيرات المتشددة للتقاليد والدين، التي تمنح الرجل سلطة مطلقة على المرأة، في مثل هذا المناخ، يُبرَّر الضرب، والإهانة، والإذلال، وتقييد حرية النساء باعتبارها "حقاً للزوج" أو "وسيلة تربوية"، وقد أدّت هذه الذهنيات إلى تطبيع العنف داخل بعض الأسر، بحيث لم يعد يُنظر إليه كفعل مستهجن، بل كأمر عادي ومقبول، وللأسف، لم تُظهر أي حكومة في أفغانستان دعماً حقيقياً للنساء، ولم تُحاسَب الجهات المعتدية أو تُقدَّم للعدالة.

كما تلعب العوامل الاقتصادية دوراً مهماً في تفاقم العنف الأسري، فالفقر، والبطالة، والإدمان، والضغوط النفسية الناتجة عن سنوات طويلة من الحرب وانعدام الأمن، كلها عوامل تزيد من مستوى التوتر داخل الأسر، وفي كثير من الحالات، يفرّغ الرجال غضبهم وإحباطهم على النساء والفتيات، وتجد النساء أنفسهن مضطرات لتحمّل هذا الواقع بسبب تبعيتهن الاقتصادية، وغياب الدخل المستقل، وانعدام فرص العمل.

فمنذ عودة طالبان إلى السلطة، شهدت أوضاع النساء في أفغانستان تدهوراً غير مسبوق، فقد أدّى تقييد الحقوق الأساسية، وإغلاق أبواب التعليم والعمل، وتفكيك المؤسسات الداعمة للنساء، إلى دفع الضحايا نحو عزلة أكبر وانعدام شبه تام لفرص النجاة. كما أُغلقت مراكز حماية النساء ودور الإيواء، وتعطّلت الآليات القانونية التي كانت تمنحهنّ بصيص أمل في الوصول إلى العدالة، مما جعل مواجهة العنف أو الهروب منه مهمة شديدة الصعوبة.

ولا تقتصر آثار العنف الأسري على الإصابات الجسدية، بل تمتد لتترك ندوباً نفسية واجتماعية عميقة. فالاكتئاب، والقلق، والشعور بانعدام القيمة، والأفكار الانتحارية، وتآكل الثقة بالنفس، جميعها نتائج شائعة لهذا العنف. كما يتأثر الأطفال الذين يشهدون هذه الممارسات، فيكبرون داخل دائرة من الخوف والاضطراب، مما يساهم في انتقال العنف من جيل إلى آخر واستمراره كإرث مؤلم داخل المجتمع.

جلسر محمدي، إحدى النساء اللواتي وقعن ضحية للعنف الأسري، تروي حكايتها بمرارة قائلة "كنت في الثانية أو الثالثة من عمري عندما توفيت والدتي بسبب السرطان، بعد رحيلها عشت مع والدي وأختَيَّ وأخي، الجميع شجّع والدي على الزواج مرة أخرى، ففعل ذلك".

وتتابع بعد صمت ثقيل حمل الكثير من الألم "بعد زواجه، انتقل والدي مع زوجته إلى كابول، وتركنا في قرية نائية قرب مزار شريف، كان يزورنا بين الحين والآخر، لكن الشيء الوحيد الذي اعتبره واجبه تجاهنا تزويجنا في سن الطفولة"، مضيفةً "كنت قد بلغت الثانية عشرة فقط عندما زوّجني والدي لابن زوجته، الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة".

وأوضحت أن أخاها كان يريد الزواج من ابنة زوجة أبيها "والدي رفض هذا الارتباط، عندها وضعت زوجة أبي شرطها "إذا تزوّج ابنك ابنتي، فعليك أن تزوّج ابنتك لابني"، ورغم رفضي الشديد، أجبرني والدي على الزواج من ابن زوجته، بعد أن ضربني ولم يطلب رأيي".

وتبدو جلسر محمدي، التي تشير وثائقها الرسمية إلى أنها في العشرين من عمرها، كأنها امرأة في الخمسين من شدة ما عانته من عنف وقسوة، وبعد زواجها وإنجابها أربعة أطفال، تصف حياتها بقولها "كل يوم أقضيه من حياتي تحت الإهانة والاحتقار، اتعرّض للضرب مراراً من والدي وزوجته وزوجي، ورغم كل ما مرّرت به من ألم ومعاناة، أقف اليوم بكل ما أملك من قوة لحماية ابنتي الوحيدة من المصير نفسه، وأبذل كل ما بوسعي كي تتعلم، مهما كان الثمن".

لذلك يمكن القول إن الحدّ من العنف الأسري في أفغانستان يحتاج إلى تغييرات عميقة على المستويات الثقافية والقانونية والاجتماعية، فالتوعية المجتمعية، وتعليم النساء حقوقهن، وتمكينهن اقتصادياً، وتوفير آليات دعم فعّالة، تشكّل خطوات أساسية في هذا الطريق، وطالما أن المرأة لا تحظى بحماية حقيقية من الأسرة والمجتمع والقانون والدولة، سيظل العنف الأسري واحداً من أقسى الحقائق التي تعيشها النساء الأفغانيات.