بين مضايقات العمل وأمل التعليم طبيبة أفغانية ترفض الاستسلام للقيود

رغم المضايقات والتهديدات، تتمسك الطبيبة الأفغانية شبانة فتاح بحقها في ممارسة مهنتها وإنقاذ الأرواح، متحديةً القيود التي تطال النساء. ولم تكتفِ بمواصلة عملها داخل المستشفى، بل فتحت منزلها مساحةً لتعليم الفتيات، محوّلةً معاناتها إلى رسالة أمل.

بهاران لهيب

بروان ـ يرى العاملون في القطاع الصحي بأفغانستان أن النزاهة والإخلاص والرفق بالمرضى من الركائز الأساسية لمهنتهم، إذ يسهم التعامل الإنساني في تعزيز الثقة بين الطبيب والمريض، ويشجع المرضى على الإفصاح عن مخاوفهم ومشكلاتهم الصحية، سواء كانت جسدية أم نفسية، بما يضمن حصولهم على رعاية أفضل.

لكن منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة، تواجه النساء الأفغانيات قيوداً متزايدة تطال مختلف جوانب حياتهن، في ظل تشديد الرقابة على سلوكهن ومظهرهن. ولم تسلم النساء العاملات في القطاع الصحي من هذه الإجراءات، إذ تشير شهادات إلى تعرض بعضهن لضغوط ومضايقات متكررة أثناء أداء مهامهن المهنية، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن سلامتهن النفسية وظروف عملهن.

 

 

وفي هذا السياق، روت شبانة فتاح، وهي طبيبة في ولاية بروان، تفاصيل ما قالت إنه تدخل متكرر من مسؤولي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لطالبان في حياتها المهنية، بسبب عدم التزامها الكامل بحسب روايتهم بالضوابط المفروضة على ملابس النساء. وأوضحت أن هذه الممارسات لا تؤثر في سير العمل فحسب، بل تتسبب أيضاً في نشر الخوف والقلق بين الطبيبات.

وحول ظروف عملها تقول إنها تعمل يومياً في مستشفيين، أحدهما حكومي والآخر خاص، مشيرة إلى أن طالبان خصصت شخصين في كل مستشفى لمراقبة ملابس الموظفات بصورة يومية. وفي حال عدم الالتزام بالتعليمات المفروضة، يتعامل هؤلاء المسؤولون مع الطبيبات بحدة، أو يتواصلون مع إدارات المستشفيات لاستدعاء مسؤولين آخرين واتخاذ إجراءات بحقهن.

وأضافت أن الطبيبات يُستدعين أحياناً، من دون سابق إنذار، إلى اجتماعات مع مسؤولي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يتعرضن، بحسب روايتها، للاستجواب والتهديد والإهانة.

 

توبيخ بعد إنقاذ حياة مريض

واستعادت شبانة فتاح إحدى أكثر التجارب إيلاماً في مسيرتها المهنية، عندما تعرضت للمواجهة والتوبيخ بسبب ظهور جزء من شعرها من مقدمة رأسها، رغم أنها كانت قد خرجت لتوها من غرفة العمليات بعد المشاركة في إنقاذ حياة مريض.

وقالت إن المسؤولين سبق أن وجّهوا إليها تحذيرات عدة بسبب ظهور خصلات من شعرها، وإن الحادثة الأخيرة وقعت بعد تحذير سابق من المسؤول نفسه "كنا قد أنقذنا للتو مريضاً كان يصارع الموت. في تلك اللحظة، لم أكن منتبهة إلى أن جزءاً من شعري كان مكشوفاً. وبعد فترة وجيزة، دخل خمسة مسؤولين من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى المستشفى"، وأوضحت أن وصول المسؤولين أثار القلق بين العاملين، قبل أن يُطلب منها الدخول إلى إحدى الغرف "زملائي حرصوا على مساعدتي ومساندتي"، مؤكدة أن التضامن بين أفراد الفريق الطبي يمنحهم شعوراً بالدعم في مثل هذه المواقف.

ووصفت ما حدث بالقول "حين دخلت الغرفة، شعرت وكأنني أواجه ذئاباً ضارية وجائعة. أخذوا يتفحصونني بنظراتهم من الأعلى إلى الأسفل، وكأنني شخص أُحضر خصيصاً للمحاسبة. ثم بدأوا بتوجيه الشتائم والتهديدات إليّ".

وأضافت أنها لم تتمكن في البداية من فهم ما اعتُبر مخالفة ارتكبتها، قبل أن ترتفع أصوات المسؤولين، وفق روايتها، مطالبين إياها بمعرفة الذنب الذي اقترفته. وأكدت أنهم لم يمنحوها فرصة للدفاع عن نفسها أو شرح موقفها.

وأوضحت أن التجربة لم تقتصر على زعزعة شعورها بالأمان في مكان العمل، بل دفعتها أيضاً إلى إعادة التفكير في واقع النساء ومستقبل الفتيات في أفغانستان، في ظل القيود التي تحد من فرصهن في التعليم والحياة المهنية "ما تعرضت لها عزز شعوري بالإصرار والتصميم على المساهمة في رفع وعي الفتيات، وعدم التزام الصمت إزاء الظروف التي تواجهها النساء في مجتمعنا".

 

التعليم في المنزل... محاولة لفتح نافذة نحو المستقبل

في أعقاب هذه التجارب، قررت شبانة فتاح تحويل معاناتها إلى دافع للعمل من أجل مستقبل الفتيات، فخصصت منزلها لإعطاء دروس تعليمية لهن، بالتعاون مع شقيقتها، في محاولة لتوفير فرصة للتعلم في ظل القيود المفروضة على تعليم النساء والفتيات، وقالت إنها تسعى، من خلال هذه المبادرة، إلى توسيع أفق الفتيات ومساعدتهن على اكتساب المعرفة التي تمكّنهن من بناء مستقبل أفضل.