بين المشاركة والتنظيم... تجربة الكومينات في روج آفا
تعد الكومينات إحدى الركائز الأساسية للحياة الجماعية في روج آفا، حيث تقوم على مبدأ مشاركة الأهالي في اتخاذ القرار. فتحولت الكومينات إلى إطار اجتماعي يحافظ على دور المجتمع في إدارة قضاياه.
نغم جاجان
قامشلو ـ في ظل التحولات السياسية والإدارية التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا خلال السنوات الماضية، برزت الكومينات كإحدى التجارب المحلية التي تهدف إلى إشراك الأهالي في إدارة شؤونهم اليومية. فمن خلال تنظيم الأحياء والقرى ضمن وحدات مجتمعية صغيرة، تسعى الكومينات إلى بناء آلية لاتخاذ القرار تقوم على المشاركة المباشرة والتنسيق بين السكان والمؤسسات المحلية.
الكومين... الفكرة والأساس النظري
يُنظر إلى الكومين باعتباره الوحدة الأساسية لتنظيم المجتمع في روج آفا. وتقوم فكرته على تنظيم الحياة الاجتماعية من خلال مشاركة السكان المباشرة، بحيث يكون المجتمع قادراً على مناقشة مشكلاته واتخاذ القرارات المتعلقة بشؤونه اليومية.
انبثقت فكرة الكومين من فلسفة القائد عبد الله أوجلان حول المجتمع الديمقراطي، والتي تركز على التنظيم المجتمعي والمشاركة الشعبية بدل الاعتماد الكامل على المؤسسات المركزية.
بعد ثورة 19 تموز/يوليو 2012، بدأ تطبيق هذا النموذج عملياً في مناطق روج آفا، وأصبحت الكومينات إحدى اللبنات التنظيمية الأولى التي تأسست عليها مؤسسات الإدارة الذاتية. ومن خلال هذا الإطار، حاول الأهالي تطوير آليات للتعاون المحلي، وتعزيز المشاركة في إدارة الأحياء والقرى، حيث ساهم في ترسيخ مفاهيم الديمقراطية المباشرة، والتعاون، والتضامن الاجتماعي، والعمل الجماعي.
مهام الكومينات في الحياة اليومية
لا تقتصر وظيفة الكومينات على كونها أماكن لاجتماع السكان، بل تؤدي أدواراً تنظيمية وخدمية واجتماعية. فهي تناقش احتياجات الأحياء، وتنقل مطالب السكان إلى الجهات المعنية، وتتابع عدداً من القضايا اليومية مثل الخدمات والنظافة وتوزيع بعض المواد الأساسية واستقبال الشكاوى.
وتعمل داخل الكومينات لجان متخصصة، تختلف مهامها بحسب طبيعة احتياجات المجتمع، ومن أبرزها لجان الخدمات، والمصالحة، والمرأة، والشباب، والاقتصاد، والتعليم. وتسهم هذه اللجان في تنظيم العمل الاجتماعي ومعالجة القضايا التي تواجه السكان.
كما تؤدي لجان المصالحة دوراً في حل الخلافات الاجتماعية عبر الحوار، بينما تنظم الكومينات مبادرات تطوعية وأنشطة ثقافية واجتماعية، وتنسق مع البلديات والمؤسسات الخدمية لمعالجة المشكلات المحلية.
وبهذا أصبحت الكومينات حلقة وصل بين الأهالي والمؤسسات، ما ساعد على إيصال احتياجات السكان بصورة أكثر مباشرة وتعزيز مشاركتهم في الشؤون العامة.
المرأة ونظام الرئاسة المشتركة
يُعد نظام الرئاسة المشتركة من أبرز ملامح عمل الكومينات، إذ يهدف إلى ضمان مشاركة متساوية بين النساء والرجال في إدارة الهيئات المحلية واتخاذ القرارات.
وشاركت النساء في الكومينات عبر تولي مسؤوليات داخل اللجان المختلفة، وخاصة اللجان المعنية بقضايا المرأة والمجتمع. كما ساهمن في تنظيم النشاطات التوعوية، ومناقشة القضايا الأسرية والاجتماعية، وتعزيز مشاركة المرأة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي.
وترى عضوات في الكومينات أن هذه التجربة ساعدت النساء على اكتساب خبرات تنظيمية وزيادة حضورهن في الحياة العامة، إلى جانب مشاركتهن في معالجة القضايا التي تخص المجتمع المحلي.
من كومونة باريس إلى تجربة الكومينات الحديثة
تُعدّ كومونة باريس التي تأسست عام 1871 إحدى أبرز التجارب التاريخية المرتبطة بفكرة الإدارة المحلية القائمة على مشاركة السكان. ظهرت هذه التجربة في أعقاب الحرب الفرنسية البروسية، وفي ظل أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة عاشها سكان باريس.
سعى أعضاء الكومونة إلى إدارة المدينة بصورة أكثر استقلالية، ومنح السكان دوراً أكبر في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم اليومية، إضافة إلى تحسين ظروف العمال والفئات الفقيرة. إلا أن التجربة لم تستمر سوى فترة قصيرة، إذ انتهت بعد قمعها من قبل الحكومة الفرنسية.
وفي الفترة نفسها ظهرت تجارب أخرى مشابهة، من بينها كومونة مرسيليا التي أعلن عنها في آذار/مارس 1871، لكنها لم تستمر طويلاً أيضاً. ورغم قصر عمر هذه التجارب، بقي مفهوم الكومونة حاضراً في النقاشات المتعلقة بالإدارة المحلية والتنظيم المجتمعي.
تجربة الكومينات في قامشلو
بحسب المعلومات التي جمعتها وكالتنا من أهالي قامشلو، كان "كومين الشهيد لهَنك" من أوائل الكومينات التي تأسست في المدينة ضمن تجربة تنظيم المجتمع المحلي وقد اعتبرها أهالي الحي خطوة مهمة، وشاركوا في الاحتفال بتأسيسها بحضور عائلة الشهيد. وترى العائلة أن إطلاق اسم لهَنك على الكومين يمثل استمراراً لذكرى شخص ضحى من أجل مجتمعه.
بدأ الكومين بعدد محدود من الأعضاء، ثم توسع تدريجياً مع ازدياد مشاركة سكان الحي. وبمرور الوقت أصبح مكاناً يجتمع فيه الأهالي لمناقشة قضاياهم وتنظيم أنشطتهم.
وقد شهدت أنشطة تعليمية واجتماعية، من بينها تعليم اللغة الكردية وتنظيم دورات مختلفة، إضافة إلى برامج خاصة بالنساء تهدف إلى رفع مستوى الوعي وتعزيز المشاركة الاجتماعية.
لاحقاً توسعت التجربة لتشمل مختلف أحياء قامشلو. فخلال السنوات الماضية، بلغ عدد الكومينات في المدينة 84 كوميناً موزعة على الأحياء، بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من السكان وتنظيم العمل المحلي.
إلا أن إعادة تنظيم هيكل الكومينات ضمن ترتيبات إدارية جديدة أدت إلى تقليص العدد إلى 32 كوميناً، مع السعي إلى تطوير آليات العمل وتحسين التنسيق بين اللجان.
ورغم تغير عدد الكومينات، بقي الهدف الأساسي قائماً على تعزيز التواصل بين الأهالي والمؤسسات، وتنظيم الخدمات والأنشطة الاجتماعية على مستوى الأحياء.
الهيكل التنظيمي للكومينات
يقوم نظام الكومينات على مستويات تنظيمية مترابطة تبدأ من الكومين في الحي أو القرية، ثم تتجمع عدة كومينات ضمن هياكل تنظيمية أوسع، وصولاً إلى المجالس المحلية.
وتتخذ الكومينات القرارات المتعلقة بالقضايا اليومية على المستوى المحلي، بينما تعمل المستويات الأخرى على التنسيق بين الوحدات المختلفة. ولا يقوم هذا النظام، على سلطة مركزية هرمية، بل على التواصل بين مستويات تنظيمية متعددة.
كما يجمع نظام الكومينات بين العمل الأفقي، من خلال تعاون اللجان المختلفة داخل المجتمع، والعمل العمودي، عبر التنسيق بين الكومينات والمجالس والمؤسسات المحلية.
"نعمل معاً من أجل حل المشكلات"

تقول عضوة كومين الشهيد لهَنك، عزيزة حسين، إن العمل في الكومين يعتمد على التعاون وروح المشاركة "منذ عام 2015 وأنا أعمل في هذا الكومين. نساعد بعضنا البعض، وعندما تظهر مشكلة في الحي نعمل معاً من أجل حلها. كما نجمع الأهالي عند إقامة أي نشاط أو فعالية".
"إذا لم يكن هناك كومين فلن يكون هناك مجتمع"

أما صالحة كلش، عضوة كومين الشهيد آرام، فتشير إلى أن الكومين يمثل مساحة لتنظيم المجتمع والتعاون بين أفراده، موضحة أن اللجان الموجودة داخله تعمل على متابعة احتياجات السكان اليومية.
وتضيف أن مشاركة النساء في الكومينات ساهمت في تطوير خبراتهن التنظيمية وزيادة دورهن داخل المجتمع، معتبرة أن استمرار هذه التجربة يحتاج إلى مشاركة الأهالي واهتمامهم بالعمل المجتمعي.
الكومين كتنظيم اجتماعي

وترى عضوة إدارة لجنة المرأة في مجلس حي الهلالية، هيهان حسين، أن الكومين يمثل أساساً لتنظيم المجتمع، مشيرة إلى وجود لجان متعددة داخله تعمل في مجالات مختلفة، مثل المرأة، والخدمات، والتعليم، والصحة، والمصالحة.
وتوضح أن لجنة المرأة تعمل على متابعة قضايا النساء، بينما تهتم اللجان الأخرى بالجوانب الاجتماعية والخدمية، بهدف تلبية احتياجات السكان.
وتبقى الكومينات، بالنسبة للعاملين فيها، مساحة لتنظيم المجتمع وتعزيز المشاركة المحلية، في وقت تواجه فيه هذه التجربة تحديات مرتبطة بالظروف السياسية والإدارية المحيطة بها.