بين الماضي والمستقبل... نوروز هوية تتحدى الإقصاء

من شعلة كاوا الحداد إلى نضال الكرد المعاصر، يبرز نوروز كرمز للحرية والهوية، فيما تكشف التجارب الإنسانية والقراءات القانونية واقعاً معقداً بين الصمود الثقافي والسعي لضمان الحقوق دستورياً.

سيلفا الإبراهيم

كوباني ـ يشكّل عيد نوروز رمزاً متجذّراً في وجدان الشعب الكردي، يجمع بين التاريخ والنضال، حيث تعكس طقوسه معاني الحرية والتشبث بالهوية، وبين تجارب الصمود في وجه القمع، تتصاعد اليوم مطالب تثبيت هذه الهوية ضمن إطار قانوني يضمن استمراريتها.

يُعدّ عيد نوروز مناسبة متجذّرة في الذاكرة الثقافية للشعوب الآرية ومنها الشعب الكردي، ويرتبط بقصة كاوا الحداد الذي انتصر على الظلم وأشعل النار إيذاناً ببدء الحرية وبزوغ فجر جديد، ومن هذا المعنى الرمزي، يكتسب نوروز مكانته كعيد للنضال والهوية.

 

ذاكرة النضال وصمود الهوية

محبوبة بوطان فنانة وعضوة في مركز باقي خدو للثقافة والفن بمدينة كوباني في روج آفا والتي كانت تعمل في المجال الفني وتشارك في تنظيم احتفاليات عيد نوروز في حقبة نظام البعث، وتعد قصتها مثالاً واحداً من بين ملايين القصص وأبناء الشعب الكردي الذين تمسّكوا بالاحتفال بهذا اليوم رغم القمع، ومن خلال تجربتها، تتجلى إرادة الحفاظ على الثقافة والتشبث بالهوية في مواجهة محاولات الإقصاء والتهميش

تقول محبوبة بوطان بأن "عيد نوروز يعتبر رمزاً ثقافياً ونضالياً للشعب الكردي، وكان يمنع الاحتفال في فترة نظام البعث كونه يعبر عن هوية الشعب الكردي" مشيرة إلى أساليب العنف التي كان يتبعها نظام البعث اتجاه الكرد لمنع الاحتفال بهذا اليوم "لم يكن بوسعنا التحضير لعيد نوروز علناً لأننا كنا نتعرض للاعتقال والعنف، حيث كنا نؤدي البروفات في منازل أعضاء الفرق الفنية، المشاركة في الاحتفال"، وفي إحدى المرات تم حرق اللباس الفلكلوري في ليلة العيد لمحبوبة بوطان إلا أنها قامت بخياطة زياً فلكلورياً أخر في نفس الليلة لتحتفل بنوروز في اليوم التالي.

كما تعرض أغلب أعضاء الفرقة الفنية للاعتقال، إلا أنهم واصلوا البروفات وشاركوا في إحياء عيد نوروز، وتحدثت عن حادثة اعتقال زوجها الذي كان يعمل ضمن فريق المسرح "في أحد أعياد النوروز قدم زوجي عرضاً مسرحياً انتقد فيه سياسة الإقصاء التي تتبعها حكومة البعث، وبعد أيام من العرض تعرض زوجي لاعتقال وبقي في السجن لمدة عام وشهرين"، مبينة "في كل عام كان يتعرض زوجي للاعتقال بسبب مشاركته في إحياء احتفال عيد نوروز، إلا أن جميع أساليب العنف التي مارسوها بحقنا لم نجعله عائقاً للاحتفال بهذا اليوم"، ذاكرة بذلك المناضل الكردي مظلوم دوغان الذي أوقد شعلة نوروز بجسده في السجون التركية ما أدى إلى استشهاده في 21آذار/مارس 1982 "نستمد إصرارنا في الاحتفال بهذا اليوم من الشهيد مظلوم دوغان الذي جعل من جسده شعلة فكيف لنا أن نتراجع عن درب أنير بدماء الشهداء".

واعتبرت الفنانة محبوبة بوطان سياسة الإقصاء التي كانت تتبعها حكومة البعث لنفي ثقافة الشعب الكردي وهويته، إلا أنها فشلت في ذلك، لأن رغم جميع الانتهاكات التي تعرض لها الشعب كانوا يحتفل بهذا اليوم "بعد انطلاق ثورة روج آفا أصبحنا نحتفل بعيد نوروز بكل حرية، ونحن الآن بصدد تحضيرات عيد نوروز 2026" وفي الختام باركت هذا اليوم على جميع الشعوب، متمنية إطلاق سراح الأسرى لتشارك جميع العوائل بعيد نوروز دون تحمل في قلبها هماً.

 

الحقوق تنتزع بالقانون

وفيما تعكس تجربة محبوبة بوطان جانباً من النضال الثقافي للحفاظ على الهوية، تبرز في المرحلة الراهنة تساؤلات قانونية حول ضمان هذه الحقوق، ما يفتح المجال للانتقال إلى قراءة حقوقية لمستقبلها في سوريا، ففي سياق المرحلة الانتقالية التي تشهدها سوريا، يرى الحقوقيون المرسوم رقم /13/ الصادر عن الرئيس المؤقت أحمد الشرع، أنه يتضمن إشارات إيجابية للاعتراف بحقوق الشعب الكردي الثقافية واللغوية، بما في ذلك الاعتراف ببعض رموزها كعيد النوروز، غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها السياسية، تظل محدودة الأثر قانونياً لعدم إدراجها ضمن نصوص دستورية ملزمة، إذ إن ضمان استمرارية هذه الحقوق وحمايتها يقتضي تثبيتها دستورياً، بما يمنع المساس بها مستقبلاً ويكفل الاعتراف بها كجزء أصيل من البنية القانونية للدولة.

وترى المحامية والرئيسة المشتركة لأتحاد المحاميين في مدينة كوباني روزيف كنو المرسوم رقم /13/ أنه "خطوة إيجابية إلا أنها ليست قانونية بما يكفي لضمان حقوق الشعب الكردي، ولتتبلور قانونياً يجب أن تدرج هذه البنود في الدستور السوري، خصوصاً أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية".

وتطرقت إلى الإعلان الدستوري والاتفاقيات التي أبرمت بين الطرفين "ركزت بنود الاتفاقيات الحفاظ على حقوق الشعب الكردي الثقافية واللغوية إلا أنه في الإعلان الدستوري لم يذكر شيء من هذا القبيل، لذا القرارات الغير دارجة في الدستور لا تعتبر قانونيا ودائمة"، مضيفة "حتى فيما يخص اللغة الكردية وإدراجها في المنهاج السوري تم جعلها مادة اختيارية وليست إجبارية أي أن التعامل مع اللغة الكردية يأتي في إطار لغة أجنبية وليست كلغة أساسية لشعب يعتبر جزء من النسيج المجتمع السوري، أما عندما تكون القرارات الصادرة دارجة في الدستور يأتي دور البرلمان بعد انتخابه بشكل ديمقراطي في تطبيق هذا الدستور".

ولفتت إلى أهمية العمل القانوني في هذه المرحلة "العمل من أجل المشاركة في الدستور يقع جزء منه على عاتق السياسيين بينما الجزء الأخر والذي يتعلق بصياغة الدستور يقع على عاتق الحقوقيين، ليؤدوا دورهم في حماية الحقوق بشكل قانوني وشرعي كي لا تبقى حماية الحقوق في الإطار الشكلي"، مشيرة إلى أن "عيد نوروز والذي يعتبر من أبرز رموز الثقافة الكردية والذي يضرب جذوره بعمق التاريخ، تم إعلانه كعطلة رسمية مع ربطه بعيد الأم أيضاً، ونحن نعلم بأن هذه الذهنية موروثة من نظام البعث".

وأكدت المحامية روزيف كنو في ختام حديثها على أهمية حماية حقوق الشعب الكردي بشكل قانوني وعدم الانخداع بالقرارات الشفهية أو وببعض المرسومات الغير قانونية "لنستطيع حينها نقاش ذلك في البرلمان وفي المحكمة الدستورية".