إيران... أزمة الإيجارات وتحول الحق في السكن إلى سلعة

لم تعد إعلانات استئجار أسطح المنازل، أو الكبائن الجاهزة، أو الأقبية الرطبة في طهران مجرد أخبار غريبة؛ بل أصبحت وثيقة حية تظهر أن سوق الإسكان في إيران قد ابتعد تماماً عن منطق "المأوى".

 برشنك دولتياري

مركز الأخبار ـ في طهران اليوم، لم تعد غرفة فوق السطح، أو قبو رطب، أو كابينة، أو شقة بمساحة 20 متراً، أو وحدات السكن المشترك هامش السوق؛ بل أصبحت هي السوق نفسها. لأن أسعار الأراضي، وتضخم السيولة، والتضخم المزمن، وضعف العرض، وغياب السياسات التنظيمية، تضافرت لتحوّل العيش العادي إلى سلعة نادرة.

تشير التقارير الحديثة إلى أن الإيجارات في طهران وصلت إلى مستوى دفع بعض المستأجرين إلى السكن المشترك، أو العودة إلى منزل الوالدين، أو الانتقال إلى مناطق أبعد. وفي أحد التقارير ارتفعت الإيجارات في نيسان/أبريل 2026 بنسبة 31 في المئة مقارنة بالعام السابق.

هذه الأزمة لم تظهر فجأة. فمنذ ما بعد عقد التسعينيات، تحوّل السكن في إيران تدريجياً من "سلعة استهلاكية ضرورية" إلى "أصل قابل للتراكم"؛ أصلٌ لعب دور ملاذ آمن لرأس المال في ظل التضخم، وانعدام اليقين، وندرة الفرص الإنتاجية، سواء بالنسبة للطبقات الميسورة أو حتى لبعض مؤسسات الدولة وشبه الدولة. ورغم أن القطاع الخاص كان المنتج الأكبر للمساكن قبل الثورة وبعدها، فإن تكلفة الأرض في طهران والمدن الكبرى وصلت إلى ما بين 30 و50 في المئة من التكلفة النهائية للسكن.

ومنذ أواخر القرن العشرين، ارتفعت أسعار المساكن بوتيرة تفوق بكثير نمو دخل الأسر؛ ففي الفترة بين 1990 و2000 ارتفع مؤشر أسعار المساكن بنسبة 818 في المئة، وفي عام 2000 كان نمو أسعار المساكن أسرع بمرتين من معدل التضخم العام.

 

لماذا وصلت طهران إلى نقطة الانهيار؟

طهران ليست فقط لأغلى في أزمة السكن الحالية، بل أيضاً الأكثر ازدحاماً وضغطاً. فوفقاً للتقارير الحديثة، وصلت حصة السكن من نفقات الأسرة في طهران إلى نحو 59.9 في المئة، بينما تتراوح هذه النسبة على مستوى البلاد بين 43 و43.7 في المئة.

وفي الوقت نفسه، تشير بعض التقارير إلى أن نحو 43 في المئة من أسر طهران مستأجرة، بينما ترفع تقارير أخرى وفق منهجيات مختلفة هذه النسبة إلى نحو 51 في المئة. اختلاف الأرقام بحد ذاته يعكس تعقيد البيانات، لكن الرسالة الأساسية واضحة: طهران مدينة يلتهم فيها تأمين السكن الجزء الأكبر من الدخل، ما يجعل الادخار، والإنجاب، والتنقل الوظيفي، وحتى الاستقرار النفسي أموراً تتآكل تدريجياً.

وتذكر إحدى التقارير أن شقة عادية عمرها 20 عاماً في غرب طهران شهدت قفزة في الإيجار الشهري من 130 مليون ريال إلى 230 مليون ريال، في حين يُقدر الحد الأدنى للأجور الشهرية بنحو 90 دولاراً فقط. هذا الفارق لا يشير إلى "سوق حر"، بل إلى سوق جريح وغير قابل للعيش.

وإذا أردنا النظر إلى الأزمة ببرود ودقة أكبر، يمكن القول إن ما يحدث في طهران هو نتيجة تراكب عدة آليات: الارتفاع الحاد في أسعار الأرض، التضخم المزمن، الائتمانات الريعية، المضاربة في الوحدات الشاغرة، ضعف نظام الإيجار المهني، وعجز السياسة النقدية عن كبح الطلب المضاربي. وحتى في البيانات الحديثة حول المنازل الشاغرة، تشير الدراسات والتقارير الإعلامية إلى وجود ملايين الوحدات الفارغة في البلاد، مع تركّز كبير للمساكن الخالية في طهران، خصوصاً في المناطق 1 و2 و3 و22.

هنا، لا يمكن تفسير الأزمة بمجرد "نقص في عدد المنازل". المشكلة أن المنزل يُعامَل كـ "أصل استثماري" يُحتفظ به، لا كـ "مأوى" يُسكن. وعندما ينفصل الأصل عن وظيفته الاجتماعية، لا يعود ارتفاع الإيجارات مجرد نتيجة اقتصادية، بل يتحول إلى شكل من التهجير الطبقي داخل المدينة.

 

 

السياسات الحكومية... وعود كبيرة، نتائج صغيرة

على مدى ثلاثين عاماً، قدّمت الحكومات المتعاقبة وصفات مختلفة لمعالجة أزمة السكن، لكن معظم هذه الوصفات لم تُصلح الجذور، بل غيّرت شكل المشكلة دون مضمونها. كان من المفترض أن ينجح مشروع "مسكن مهر" في تهدئة السوق عبر تقليل أو حذف سهم الأرض والاعتماد على البناء الكثيف، لكن التجربة على الأرض جاءت محمّلة بنقص البنية التحتية، وبُعد المواقع، وتفاوت الجودة، وتأخيرات طويلة.

ورغم أن السياسات الحكومية بعد الثورة رفعت أحياناً حجم الإنتاج، فإنها لم تنجح في تقليص فجوة الملكية أو تحسين إمكانية الوصول إلى السكن. أما مشروع النهضة الوطنية للإسكان، فقد واجه منذ بدايته نقصاً في التمويل، واعتماداً مفرطاً على مساهمة المتقدمين والقروض البنكية، إضافة إلى عدم اكتمال سلسلة توفير الأرض والبنية التحتية. وتشير تقارير رسمية وشبه رسمية إلى أن سعر المتر المربع في مشروع النهضة الوطنية عام 2025 قُدّر بنحو 11 مليون تومان، مع تقدّم مادي منخفض أو غير متوازن في كثير من المشاريع. لكن هذه الأرقام لا تعني حلّ الأزمة؛ بل تكشف أن الدولة، رغم قدرتها على إنتاج الوعود بكميات كبيرة، عاجزة عن تحويل هذه الوعود إلى مساكن حقيقية.

أما على مستوى تنظيم سوق الإيجار، فالوضع ليس أفضل. فقد حُدّد سقف زيادة الإيجار في عام 2024 في طهران بنسبة 25 في المئة، لكن التقارير الميدانية تشير إلى أن هذا السقف تحوّل عملياً إلى "حدٍّ أدنى" للسوق، لا سقفاً ملزماً. وهذا يعني أن السياسة الرقابية، حين تُنفَّذ بلا ضمانات تنفيذية، ولا عرض كافٍ، ولا دعم فعلي للمستأجرين، تتحول إلى بيان أخلاقي لا أكثر.

سوق الإيجار في طهران أصبح ملتهباً إلى درجة أن "السقف القانوني" لم يعد قادراً على ضبط منطق التسعير. وبدلاً من بناء نظام إيجار مستدام، اكتفت الحكومة بمسكنات قصيرة الأجل تؤجل الصدمة، وكل تأجيل لا يزيد إلا من ثقل الأزمة.

 

الحياة تحت ضغط الإيجار

ما يظهر في الإعلانات الغريبة هذه الأيام ليس مجرد نكتة سوداء في فضاء الإنترنت؛ فخلف "غرفة فوق السطح" و"قبو رطب" و"منزل بمساحة 20 متراً"، يتشكّل نمط أعمق من الانضغاط الاجتماعي. الأسر تصبح أصغر، الخصوصية تتلاشى، السكن المشترك غير المرغوب فيه يتحول إلى أمر عادي، وأشكال السكن المؤقت والاضطراري تحلّ محلّ السكن المستقر. في طهران، يبحث بعض المستأجرين عن شريك للسكن، وبعضهم يعود إلى المدن الأصغر أو الضواحي، وآخرون يرجعون إلى منزل الوالدين. هذا ليس "تكيفاً"؛ بل انسحاب قسري من المدينة.

وتشير التقارير إلى أن جزءاً كبيراً من المستأجرين يعيشون تحت خط الفقر، فيما لم تقدّم الحكومة سوى قروض ودائع غير كافية وتمديدات مؤقتة، من دون أدوات فعّالة للحماية.

ظواهر النوم في الكرتون، أو في السيارات، أو على الأسطح، أو في المقابر، أو في غرف مشتركة مكتظة كلها، بدرجات مختلفة، علامات على انهيار نظام الوصول إلى السكن. لكن الأهم من هذه التسميات هو المسار الذي ينتجها: تجمّد الأجور الحقيقية، الارتفاع المستمر للإيجارات، وتحول المدينة إلى مكان لاستخراج الريع من الحياة اليومية.

وهنا يجب الانتباه إلى أن تكلفة السكن ليست رقماً فقط؛ إنها جزء من الوقت، والقلق، والغذاء، والتعليم، والصحة. فعندما تنفق الأسرة في طهران نحو 60 في المئة من دخلها على مجرد سقف فوق رأسها، فهذا يعني أنها تُدفَع إلى فقر متتابع في كل المجالات الأخرى: غذاء أقل، تعليم أضعف، علاج متأخر، ومستقبل أقصر. هذا هو "فقر السكن" الذي يتحول إلى فقر متعدد الطبقات.

 

 

الجذور التاريخية: من بناء الدولة للمساكن إلى تحرير السوق

لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى الماضي. فبحسب موسوعة إيرانینا، كان قطاعا الأرض والإسكان في الفترات السابقة دائماً تحت ضغط السياسات المتقلبة، لكن ما اشتدّ منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين كان مزيجاً من النمو السريع للسكان الحضريين، والهجرة إلى المدن الكبرى، وتفضيل رأس المال للأنشطة غير الإنتاجية.

بين عامي 1975 و1999، تضاعفت الاستثمارات في قطاع الإسكان بأكثر من 75 مرة وفي الفترة الممتدة من 1971 إلى 2000 خُصّص نحو 33 في المئة من إجمالي الاستثمارات في البلاد للإسكان. هذه الأرقام تُظهر أن السكن في الاقتصاد الإيراني لم يكن مجرد "مكان للعيش"، بل مخزناً للقيمة ووسيلة لتراكم الأصول، وكلما ارتفع التضخم وعدم الاستقرار، ازدادت أهمية هذا الدور.

في مثل هذا الهيكل، حتى عندما تُبنى وحدات جديدة، لا يعني ذلك بالضرورة تحسّن القدرة على الحصول على السكن، لأن البناء لا يساوي القدرة على الشراء. ولهذا، فإن ما يظهر اليوم كأزمة إيجار في طهران هو في الواقع نتاج سلسلة طويلة، الأرض تحوّلت من سلعة إلى رانت؛ السكن من حق اجتماعي إلى أداة لحفظ القيمة؛ البنوك والائتمانات انضمّت إلى آلية صناعة الأسعار؛ والدولة، بدلاً من كسر هذه الحلقة، أعادت إنتاجها مراراً عبر مشاريع استعراضية أو غير فعّالة.

وبصياغة أوضح؛ أزمة السكن في إيران ليست مجرد نتيجة تقصير حكومي، بل ثمرة هندسة مؤسسية كاملة، حيث تتقاطع مصالح الفئات الميسورة مع استمرار الغلاء، بينما تُنقل كلفة هذا الغلاء إلى المستأجرين وأصحاب الدخل الثابت. هنا يتحول السكن من "منفعة عامة" إلى ساحة امتياز وقوة.

 

التخلّي عن الحق البديهي في المأوى

في النهاية، يبرز السؤال الجوهري؛ ما مسؤولية الدولة أمام هذه الأزمة؟ الجواب يبدو بسيطاً، لكنه في جوهره سياسي. فالدولة في إيران، منذ سنوات طويلة، قصّرت في تأمين ثلاثة احتياجات أساسية التعليم، والصحة، والسكن أو تركت عبئها على الأسر والسوق. ونتيجة ذلك، تُسحق الأسر تحت وطأة الإيجارات الباهظة، وتكاليف العلاج، والتعليم، والنقل في الوقت نفسه.

تشير التقارير الحديثة إلى أن تكلفة السكن في طهران وصلت إلى حدود 60 في المئة من دخل الأسرة، بينما يبلغ المتوسط الوطني نحو 43 إلى 44 في المئة. هذه الأرقام تعني أن جزءاً كبيراً من المجتمع لم يعد "يعيش"، بل يقاوم للبقاء. وعندما تعجز الدولة عن توفير الحد الأدنى من المأوى للطبقة العاملة والطبقة الوسطى، فإنها عملياً تُحوّل اللامساواة إلى حالة دائمة وطبيعية.

من هذا المنظور، فإن إعلان "النوم فوق السطح" ليس استثناءً؛ بل تجسيد صارخ للقاعدة. والقاعدة هي أن السكن في إيران، وخاصة في طهران، أصبح مؤسسة لنقل المخاطر من رأس المال إلى الحياة اليومية: رأس المال يستفيد من الغلاء، والمستأجر ينهار تحت وطأته، وطالما أن الدولة لا تجرؤ على التدخل في ملف الأرض الحضرية، والوحدات الشاغرة، والإيجار المهني، وكبح المضاربة، وزيادة العرض الاجتماعي الحقيقي، وإعادة توزيع المخاطر، فإن الأزمة لن تُحلّ؛ بل ستتراجع من القبو إلى السطح، ومن السطح إلى أشكال أكثر إهانة.