أثمان غير مرئية يدفعها نساء وأطفال غزة

في سياق حربٍ ممتدة وانهيارٍ شامل لمقومات الحياة، تدفع النساء والأطفال الثمن الأكبر حيث تتحول تفاصيل العيش اليومي إلى مصادر خطر تهدد الحق في الأمان والحياة.

نغم كراجة

غزة ـ في صباحٍ مثقلٍ برائحة الرماد، عادت العشرينية سمر حلاوة وأسرتها إلى ما تبقى من منزلهم في مدينة جباليا شمال قطاع غزة، لم يكن المنزل سوى ركامٍ صامت لكنه بالنسبة لها كان المكان الوحيد الذي يشبه الحياة، نصبت خيمتها فوق الأنقاض، رافضةً النزوح مجدداً إلى مناطق أخرى رغم انعدام الخدمات الأساسية بشكلٍ كامل: لا ماء، لا كهرباء، ولا بنية صحية تحمي العائدين من المخاطر اليومية، كانت تعرف أن البقاء هنا مغامرة قاسية لكنها لم تتخيل أن الثمن سيكون جسد طفلتها الصغيرة.

تقول سمر حلاوة "عدنا لأننا تعبنا من الترحال، شعرت أنني إن بقيت في الخيمة فوق بيتنا المدمّر سأحمي ما تبقى من ذاكرتنا، لم أكن أبحث عن الأمان بقدر ما كنت أبحث عن الاستقرار، ولو كان هشّاً".

حاولت بما توفر لها من وسائل بدائية، إعادة تنظيم تفاصيل الحياة اليومية بدءاً من إعداد الطعام على الحطب الذي تجمعه بصعوبة من محيطٍ أنهكته الحرب.

في ذلك اليوم، كانت سمر حلاوة منشغلة بطهي وجبة بسيطة على نار الحطب بينما طفلتها ريتال ذات الستة أعوام، تلعب قرب الخيام المجاورة، تراقب أمها من حينٍ لآخر، وتملأ المكان بضحكات طفولية قصيرة، فجأة دوّى انفجارٌ قوي تبعه اشتعال نارٍ في المكان "سمعت صوتاً كأنه كسر السماء ثم رأيت النار تشتعل، صرخت على طفلتي ريتال بأعلى صوتي، ركضت وأنا أشعر أن قلبي سبقني".

 

منطقةٍ مدمرةٍ تفتقر إلى أبسط المقومات

هرعت الأم لتجد ابنتها ملقاة على الأرض، والنيران تلتهم أجزاء من جسدها الصغير، حاولت بكل ما أوتيت من قوة إطفاء النار بيديها وبقطعة قماش غير آبهةٍ بالحروق التي أصابتها هي نفسها "كنت أضرب النار بجسدي، لم أفكر بشيء فقط أردت أن تتوقف عن أكل ابنتي"، تقول بصوتٍ يختلط فيه الذنب بالعجز.

استغاثت بطواقم الإسعاف لكن في منطقةٍ مدمرةٍ تفتقر إلى أبسط مقومات الطوارئ، لم يكن الوصول سريعاً، بعد نحو نصف ساعة تمكنت من نقل طفلتها إلى أقرب مستشفى، هناك تبيّن أن الطفلة تعاني من حروق شديدة، وُصفت بأنها من الدرجات الأولى وسط نقصٍ حاد في الإمكانيات الطبية والمستلزمات العلاجية، لم تجد سمر حلاوة سوى أطباء يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه بأدواتٍ محدودة ووقتٍ ضيق.

بعد أيام قليلة، خرجت ريتال من المستشفى دون أن تحصل على المسكنات اللازمة أو العلاج المتكامل الذي تتطلبه حالتها، لم يكن بحوزتها سوى لباسٍ داخلي خاص يغطي بطنها، قيل لوالدتها إنه يقيها من الالتهاب "قالوا لي هذا كل ما نستطيع تقديمه، شعرت أن ابنتي تُعاد إليّ وهي ما تزال في قلب الخطر".

في الخيمة، بدأت معاناة جديدة، تصرخ ريتال بين الحين والآخر من شدة الألم، خصوصاً في الليل حين يشتد البرد وتغيب أي وسيلة لتخفيف الوجع، لا مسكنات، لا متابعة طبية، ولا قدرة على تغيير الضمادات بشكلٍ آمن، "أراقبها وهي تتألم، ولا أملك سوى الدعاء، هذا أصعب ما يمكن أن تعيشه أم".

ولم تقتصر معاناة ريتال على الألم الجسدي فقط بل امتدت إلى حياتها الاجتماعية والنفسية، بسبب آثار الحروق الواضحة تعرضت الطفلة للتنمر من بعض الأطفال في محيط الخيام "بعضهم ينظر إليها بخوف، وبعضهم يسخر، وهي تسألني: لماذا ينظرون إليّ هكذا؟"، تقول الأم، مضيفةً أن ابنتها باتت تميل إلى العزلة، وتخشى اللعب مع الآخرين.

 

الحرمان من حقوق الطفولة

كما حُرمت الطفلة من حقها في التعليم، إذ لم تعد قادرة على الذهاب إلى أي مساحة تعليمية مؤقتة بسبب حالتها الصحية، وخوف والدتها من تعرضها لمزيد من الأذى أو الالتهابات "كانت تحب المدرسة كثيراً، تسألني متى ستعود، ولا أجد جواباً"، تقول سمر حلاوة التي ترى في ذلك حرماناً مضاعفاً لطفلة لم تعرف من طفولتها سوى الحرب.

حتى اللعب، وهو أبسط حقوق الطفولة بات أمراً مستحيلاً لا تستطيع ريتال الجري أو الحركة بحرية، وأي احتكاك قد يزيد من ألمها، تجلس في الخيمة تراقب الأطفال يلعبون من بعيد، وتحاول أن تبتسم "أشعر أن إصابتها سرقت منها الطفولة، وأنا عاجزة عن إعادتها لها".

تحسن الحالة الصحية لريتال، بحسب الأطباء يتطلب سفراً عاجلاً إلى الخارج لاستكمال العلاج، في ظل انعدام الإمكانيات اللازمة داخل قطاع غزة لكن هذا الخيار يبدو بعيد المنال في ظل تعقيدات السفر والحصار المستمر، كما تقول سمر حلاوة "لا أطلب المستحيل، أريد فقط أن تعيش ابنتي دون ألم، وتعود طفلةً كما كانت".

من منظورٍ حقوقي، تُعد حالة ريتال انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل التي تكفلها القوانين الدولية، وعلى رأسها الحق في الصحة، والتعليم، والحماية من الأذى، إن عجز المنظومة الصحية، وغياب بيئة آمنة، وحرمان الأطفال من الرعاية اللازمة، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها، خاصة في سياق نزاعٍ مسلحٍ طال أمده وأثقل كاهل المدنيين، وترك الأطفال يدفعون الثمن الأكبر.

في المحصلة، لا تمثل إصابة ريتال حلاوة حالة فردية معزولة، بل تعكس خللاً بنيوياً يطال منظومة الحماية والرعاية في مناطق النزاع حيث يتحول الخطر اليومي إلى واقعٍ دائم، وتغدو النجاة مسألة حظ لا حق. 

استمرار هذا الواقع دون تدخل فعّال يعني تكريس بيئة تُنتج إصابات يمكن تفاديها، وتُبقي الأطفال خارج دوائر العلاج والتعليم والحياة الطبيعية، إن إنقاذ الطفلة ريتال حلاوة اليوم لا يقتصر على علاج جرحٍ مفتوح بل يتطلب معالجة الأسباب التي أبقت طفولتها بلا حماية، وضمان آليات استجابة تضع حياة المدنيين، ولا سيما الأطفال، في صدارة الأولويات لا في هامش الكوارث.