أسيرة محررة من غزة تكشف عن انتهاكات كبيرة بحق المعتقلات
تقول إحدى الأسيرات الفلسطينيات أنها لم تكن شاهدة فقط على اختطاف القوات الإسرائيلية لعائلتها، وإنما لعملية نهب ممنهجة لمقتنيات أهالي قطاع غزة قبل اعتقالهم وتعرضهم للانتهاكات داخل المعتقل.
رفيف اسليم
غزة ـ اعتقلت القوات الإسرائيلية الشابة أسيل أبو زايدة على الحاجز العسكري الذي نصبته على شارع صلاح الدين لتفتيش النازحين الذين يقطعون الطريق من الشمال نحو ما أطلقت عليه الملاجئ الآمنة جنوب قطاع غزة، بعد خروجها وعائلتها من مناطق الشمال جميعهم جرحى إثر قصف المنزل الذي ينزحون به، وحاجتهم الماسة للعلاج.
النزوح بسبب الحاجة للعلاج
تذكر أسيل أبو زايدة لوكالتنا، تفاصيل ذلك اليوم وكأنه حدث قبل عدة دقائق، ففي يوم 22 من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، قررت العائلة النزوح لجنوب القطاع، ووفقاً لما جرت به العادة حينها تواصلوا مع أقاربهم ليعرفوا تفاصيل تلك الرحلة القاسية والتي يتم خلالها قطع 15كيلو متر مشياً على الأقدام دون السماح بحمل سوى القليل من المتاع، لأن القوات الإسرائيلية ولو احتمل الفرد جر أمتعته سيجبرونه بالنهاية على رميها وإلا ستكون في مرمي نيرانهم.
لكن المشكلة ليست هنا فقبل خروج العائلة بيومين تقول "قصفنا داخل المنزل بمخيم جباليا الذي ننزح به وأصبنا جميعاً فيما قتل أخي الأكبر بتلك النيران، وكانت إصابة أخي الأخر بالرأٍس وعند نقله للمشفى صبوا الماء على رأسه ولفوه بالشاش"، مشيرةً إلى أنه لم يكن يوجد بالفعل معقم أو غرفة عمليات، بالتالي التهب الجرج ونصح الجميع بالنزوح جنوباً لتلقي الخدمات الطبية هناك وكون العائلة لم ترغب بفقد شخص أخر تحركنا صباح اليوم التالي.
ما تبقى من الملابس كنز ثمين
وبسبب البرد ارتدت كل ما تبقى من ملابسها اثنان من كل شيء الجوارب والسراويل، والسترات وحتى المعطف، فيما كانت تحمل تحت الملابس حقيبة صغيرة وضعت بها العائلة جميع ما تملك من نقود ومصاغ هي بالنسبة لوالديها ناتج ما جمعوه من عملهم على مدار سنوات عمرهم، فمشت أمها تحمل أخاها الجريح عبر الحاجز وهي مطمئنة كونهم بحوزتها، موكلة لها مهمة إضافية وهي الإمساك بيد أختها الصغيرة ذات التسع سنوات.
مشت أسيل أبو زايدة مجتازة الحاجز وتفاجأت أن جندي من القوات الإسرائيلية يناديها بوصف شكل ولون لباسها فتجاهلته، ليعد النداء لكن هذه المرة واصفاً لباس شقيقتها الصغرى وهي ذوي الرداء الأحمر، التفتت كونها تعلم أنه في المرة المقبلة لن ينادي عليها بل سيصوب النار تجاه رأسها بشكل مباشر، أشارت بسبابتها لنفسها مرددة شفتاها "أنا"، أجاب عبر مكبر الصوت "بل أنتما تقدما بالاتجاه الأخر".
عين على النازحين وعين على متاعهم
تضيف "تقدمت نحو الجندي الإسرائيلي لكنه لم يكن مخطئ، لأنه طلب مني بطاقة التعريف الوطنية وأخبرني بالتوجه نحو نقطة تحقيق تابعة للجيش في ذات المكان، أنا والصغيرة فما كان مني إلا أن اعترضت على اصطحاب شقيقتي كونها طفلة، فوافق بعد عدة مشاورات أجراها مع الجنود على مضض وبعد عدة دقائق وحذرني من أن أعطيها شيء ما، يقصد حقيبة النقود".
في ذلك الوقت كانت الصغيرة تبكي ممسكة بطرف ثوب شقيقتها ترفض المغادرة بدونها لكن الكبرى أشارت لها أن عليها الركض سريعاً بالاتجاه الآخر وإيجاد والدتهما كي تخبرها أن شقيقتها تم اعتقالها، ودعتها وسط صراخ الجندي وإطلاقه للشتائم، ثم تمت الإشارة لها بالتوجه نحو أحد خيام القوات المتركزة، وهناك فتشت لأول مرة بشكل عاري تماماً وسرقت منها النقود والمصاغ وكل ما تحمله من أمتعة.
تقول أسيل أبو زايدة صاحبة العشرين عام، أنها لم تكن شاهدة على سرقة عائلتها فقط ففي ذلك المكان كان هناك العديد من المقتنيات الفاخرة هواتف حديثة، أموال، ومصاغ، حقائب ممتلئة ويبدو ما بداخلها ثمين للغاية، لافتةً أن الجندي لم يكن يختار النساء وفقاً لميول سياسية بل وفقاً لما يحملنه من غنائم أو لربما البعض منهن بسبب حظهن العاثر الذي أطاح بهن في قبضة أولئك المجرمين على حد وصفها.
الامتثال للأوامر
وبينت أنه "أتذكر تلك الليلة جيداً فقد نمت على الحصى البارد وحينما رفضت صفعتني الجندية، في الصباح نقلنا لمكان آخر بعد أن تم تصفيدنا كل أسيرتين بأصفاد حديدة، كنا 5 أسيرات مشينا عدة كيلو مترات معصوبات الأعين وعندما تتأخر إحدانا تضرب بسوط لا أعلم ماهيته لكني أتذكر وقعه بارد على جسدي"، مضيفةً أنهن أجبرن على خلع الأحذية والسير حافيات هكذا، وعندما كانت تعترض تضرب بعنف على أكثر المناطق حساسية بالجسم كالرأس، والرقبة.
وأجبرت على الركوب بالحافلة التي لا تعلم شكلها كونها معصوبة العينين بل زجت هي والأسيرات داخلها ووصلت بهن لمعتقل شديد البرودة خمنت أنه بغلاف غزة بسبب دوي صافرات الإنذار حينها أجبرن على نزع ملابسهن وارتداء قميص وسروال يصلح لفصل الصيف مهترئ، ذو رائحة كريهة، مما أصابهم بعدة أمراض بينهم أسيرة حامل أجهضت خلال الطريق توسلت للجنود أن يأتوا بطبيب لها لكنهم لم يعيروا الأمر أي اهتمام.
لا نوم ولا طعام بالمعتقل
لا يوجد كلمات ممكن أن تصف لحظات الأسر فتوضح، أن جنود القوات الإسرائيلية كانوا حريصين كل الحرص ألا تنعم إحداهن بالنوم، كما أنها فقدت الكثير من وزنها لأنهم وبساطة لم يقدموا لهن الطعام وإذا أتوا به يكون سيء متعفن غير صالح للأكل، هذا عدا عن موجات الضرب المبرحة والألفاظ النابية والتهديدات بقتل عائلاتهن وذويهن طوال مدة الأسر التي قضتها وهي 50 يوم، وحرمانهن من أبسط أدوات النظافة الشخصية ومنع الفوط الصحية.
وتعرضت أسيل أبو زايدة للتحقيق عشرات المرات، كانت تجلس على الكرسي الحديدي بوضعية كالقرفصاء لا تناسبها وإذا حاولت الحركة تضربها الجندية، وتسأل عن كل شيء عائلتها، جامعتها، اخوانها فتجيب، لكن عندما تسأل عن الأمور السياسية ولا تستطيع الرد تهدد بالقتل والرصاصة مستعدة لاختراق دماغها لكن من أين لها بالإجابة، وإن حتى بالفعل أرادوا قتلها.
لم تعتقل في زنزانة عادية بل قضت طوال فترة اعتقالها في قفص وكأنها حيوان تنام على ألواح من الخشب لا فراش ولا أغطية تقيها برد المعتقل، وفي منتصف الليل تطلب للتحقيق معها لا تدري حول ماذا، وكانت تحاول قدر الإمكان التحمل وعدم الرد على الجنود خاصة عندما تأتي تلك المضايقات في ساعات متأخرة من الليل وجميع الأسيرات ومن في المعتقل نيام، كيلا تنحدر الأمور لما هو أسوأ.
العودة للدراسة
تقرع تلك الذكريات ذاكرة أسيل أبو زايدة في كل ليلة خاصة تلك التي تخص نقلها من معتقل لأخر فقد تنقلت بين معتقل في غلاف غزة، ثم معتقل في مدينة القدس يدعى عان توت، ثم معسكر بئر السبع وكانوا يحضرون نقلها لمكان أخر لولا أنه تم الافراج عنها، وتخشى من تلك الأوراق التي أجبرت للتوقيع عليها وهي لا تعلم ما كتب داخلها كونه باللغة العبرية وليس بالإنجليزية أو العربية.
اليوم تعود لكلية الصيدلية، ملتزمة بمقعدها الدراسي، معطية نفسها الدعم النفسي المناسب بعد استقرارها في كنف عائلتها من جديد، لكنها تواجه في بعض الأحيان صعوبة في التأقلم مع تفاصيل الحياة، أو بالتركيز خلال الدراسة بسبب ما مرت به، لكنها تحاول شغل نفسها عن تلك الذكريات والتخرج عما قريب.