أشكال من المعاناة والمآسي... الفاشر تحت القصف والأوبئة والحصار
تعاني آلاف الأسر في مدينة الفاشر من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، في ظل انقطاع الإمداد نتيجة للحصار ومنع دخول المساعدات الإنسانية، الأمر الذي زاد نسبة الوفيات بالجوع والأوبئة.

ميرفت عبد القادر
السودان ـ تسبب النزاع في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أكثر من عامين، في أكبر أزمة جوع في العالم، حيث يواجه حوالي 25 مليون شخص، ما يعادل نصف سكان السودان، من المجاعة وفق تقارير الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي.
سوء التغذية يفتك بالجميع داخل الفاشر
وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وقوع المجاعة بولاية شمال دارفور قبل أكثر من عام، مؤكداً أنه يتوقع أن تمتد المجاعة إلى مناطق أخرى، فيما حدثت وفيات لأعداد كبيرة بسبب المجاعة وسوء التغذية بالفاشر، على إثرها أطلقت شبكة أطباء السودان عدة نداءات بفك الحصار عن المدينة بسبب وصول الجوع إلى المرحلة الثالثة وتدهور الأوضاع المعيشية والصحية بشكل كارثي.
ويدخل حصار مدينة الفاشر بشمال دارفور غربي السودان عامه الثاني بعد أن أغلقت قوات الدعم السريع الطرق التي كانت تنقل البضائع للمواطنين هناك، وباءت محاولات المنظمات الدولية بالفشل بالتدخل لحل الأزمة لإدخال الغذاء والدواء ووقف إطلاق النار.
"الأمباز" علف الحيوانات الغذاء الوحيد بالفاشر
داخل مخيم "أبو شوك" للنازحين فصول من المأساة، أطفال لا يقوون على الحركة والمشي، نساء حوامل ومرضعات أنهكهن الجوع والمرض يقاومن الحياة القاسية من أجل أطفالهن.
في هذا المكان الذي يبدو خالياً تماماً من أبسط مقومات الحياة سوى بعض الخيام المهترئة وبقايا علف الحيوانات، جالت وكالتنا والتقت ببعض النساء والأطفال لعكس الحال داخل مخيمات النزوح بمدينة الفاشر.
التقت وكالتنا بـ سعاد سليمان التي أنهكها الجوع مثل الجميع هناك، وتآكل جسدها حتى أصبحت لا تقوى على الحركة بشكل طبيعي، وتقول إنه يوجد في المخيمات عدد كبير من الأطفال وكبار السن يعانون سوء التغذية وانعدام الغذاء.
ولفتت إلى أن المخيمات تملأها الحشرات وهم ليس لديهم مبيدات لمحاربتها، قائلة إن المدنيين بالمخيمات يعانون من أمراض نقص الدم والأنيميا إذ لا توجد عقاقير ومحاليل طبية داخل المدينة، كما أن النساء حالهن هو الأسوأ خاصة الحوامل والمرضعات.
منذ أكثر من شهر أصبح الغذاء الوحيد الذي يعتمد عليه مواطنو الفاشر في وجباتهم هو الأمباز أو علف الحيوانات حيث يقومون بطحنه يدوياً ويصنعون منه الوجبات التي بالكاد تسد رمقهم، الأمر الذي تسبب بوفاة أسرة بأكملها مكونة من ستة أشخاص.
النساء والأطفال الفئات الأكثر تأثراً
داخل ساحة المخيم يجلس الأطفال على شكل حلقات يرددون الدعاء بأن يُصلح حالهم وتشفى أجسادهم النحيلة التي أنهكها الجوع والمرض ينظرون يمنى ويسرى على أمل أن يجود عليهم الخيرين وأصحاب المطابخ الطوعية التي تجمع أموالها من أبناء السودان بوجبة تسد رمقهم يتناولونها في ذات الجلسة.
هاني طفل يعاني من الجوع الشديد داخل المخيم، يقول "ننتظر أحياناً وجبة المطبخ الخيري وهي وجبة تقدم مرة واحدة كل يوم وأحياناً كل يومين وفي حال غياب الوجبة نعود لطحن الأمباز وصناعة وجبة منه".
أما آلاء النذير فقالت إن المواطنون لا يزالوا عالقون داخل مدينة الفاشر فهم لا يملكون الغذاء ولا يملكون أموالاً تمكنهم من الخروج من المدينة، مؤكدة وجود حالات كبيرة من سوء التغذية الحاد والأنيميا خاصة وسط الأطفال والحوامل والمرضعات, مطالبة بالتدخل لإنقاذهم من خطر الجوع وسوء التغذية.
وأشارت إلى أن أطفالها وعدد كبير من الأطفال بالمخيم يعانون من الإسهالات المائية والأمراض ولا يجدون العلاج.
وقالت سعدية النور، إن أهالي الفاشر يعانون من الاضطهاد الشديد حتى داخل مجتمعات الولاية، فبعد أن ضاق بهم الحال ولجأوا إلى المخيمات من أجل تقديم العون لهم ومساعدتهم وجدوا اضطهاداً كبيراً وتمييزاً ضدهم في توزيع المساعدات، مؤكدة أنهم يعانون من الجوع الشديد وسوء التغذية.
وأشارت إلى أنهم يفترشون الأرض مع وجود الحشرات داخل المخيم، مناشدة المنظمات بالتدخل العاجل لإنقاذهم من الكارثة.
كما تتمنى عواطف حامد أن يعم السلام لتزول معاناتهم التي طالت كثيراً، وتقول إنهم بحاجة ماسة للغذاء والدواء والمأوى والملبس بعد أن جردهم النزاع من كل ما يملكون.
وتعد النساء والأطفال أكثر الفئات تضرراً من حصار مدينة الفاشر ويعانون جوعاً حاداً، حيث يعاني 3.5 مليون امرأة وطفل من سوء التغذية، وتحتاج 18 ألف امرأة حامل ومرضعة بصورة عاجلة إلى تغذية إضافية، بحسب الأمم المتحدة.
وحذرت "اليونيسف" من كارثة إنسانية في مدينة الفاشر، موضحة أن نحو 600 ألف شخص، نصفهم أطفال، نزحوا من المدينة ومخيماتها فيما لا يزال 260 ألفاً، بينهم 130 ألف طفل، عالقين في أوضاع "يائسة"، كما وثقت أكثر من 1100 انتهاك منذ نيسان/أبريل 2024، بينها مقتل وإصابة أكثر من 1000 طفل، في ظل وقائع اغتصاب واختطاف وتجنيد قسري.
تفشي الكوليرا والحميات يزيد الأمر تعقيداً
يعاني المواطنون من تفشي الأوبئة بشكل كبير في ظل انعدام تام للأدوية والعلاج ونقص حاد في المياه وعدم توفر دورات المياه وأدوات النظافة، بالإضافة لتوالد البعوض والذباب نسبة لتراكم الأوساخ حيث تصعب الحركة لنقلها بعيداً بسبب القصف اليومي والمستمر تجاه المخيمات.
ووفق تقارير الأمم المتحدة فإن هناك 5300 حالة مشتبه بها، مؤكدة وقوع 84 وفاة ذات صلة بالمرض منذ 21 حزيران/يونيو الماضي، معظمها في محلية طويلة، حيث يقيم 330 ألف نازح من مخيم "زمزم" ومدينة الفاشر.
وفي 3 آب/أغسطس الجاري، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" من تعرض أكثر من 640 ألف طفل دون سن الخامسة لخطر متزايد من العنف والجوع والمرض، وسط تفشي الكوليرا بشمال دارفور.
وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت تسجيل حوالي 100 ألف حالة إصابة بالكوليرا منذ تموز/يوليو 2024 في السودان، محذرة من تفاقم سوء التغذية وانتشار الأوبئة.