"اسداء" ملجأ المنقطعين عن التعليم من الصم والبكم

يشتكي فاقدو السمع والنطق في تونس من الانقطاع المبكر عن التعليم بسبب غياب برامج تعليمية تتلاءم وخصوصية الإعاقة التي يعانون منها ولإنقاذهم من شبح الأمية بادرت خريجة جامعة تونسية إلى تأسيس أول منصة تعليمية تُعنى بهم.

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ يفتقد ذوي الإعاقة وجود برامج تعليمية خاصة تراعي حساسية وضعهم، فالظروف والمناهج التعليمية العامة مناسبة فقط للأطفال الأصحاء وبذلك يحرم هؤلاء من حقهم في التعليم فينسحبون من الدراسة لترتفع أعداد ونسب الأمية بين صفوفهم.

انطلاقاً من هذا الواقع آثرت شابة تونسية تأسيس منصة تتيح للأطفال الصم والبكم فرصة التعلم وفق ما يناسبهم، هذه التجربة تُعد الأولى من نوعها في تونس وتقول عنها مؤسسة المنصة فرح التونسي أنها محاولة لمساعدة فاقدي السمع والنطق لاستكمال تعليمهم، خاصةً أن تونس شهدت خلال السنوات الاخيرة أرقاماً وصفتها بـ "الصادمة" حول ظاهرة الانقطاع المبكر عن التعليم في صفوف فاقدي السمع والنطق لتناهز الـ 95 بالمئة وهم في سن السابعة، كما كشفت بعض الأرقام أن 90 بالمئة منهم يعانون من الأمية.

وأوضحت أن التعليم يعد حاجة حيوية وأساسية لتشكيل شخصية الفرد لكن فئة الصم والبكم تُعاني من التهميش والإقصاء بسبب الإعاقة التي يحملونها، مما يضعهم على هامش المجتمع، وهذه العزلة تترك أثراً عميقاً في حياتهم بسبب غياب وسائل التواصل الفعّالة مع الآخرين.

وقالت فرح التونسي أنه "في غياب محتوى تعليمي تقليدي يتماشى مع هذه الفئة من ذوي الإعاقة الذين يعانون خاصة من التنمر رأينا أنه من الضروري ايلاء هذه الفئة الاهتمام المطلوب بهدف إعادة دمجهم في المجتمع، ومنحهم فرصة جديدة للأمل والتطور، ومساعدتهم على بناء حياة أفضل من خلال تقديم دروس تفاعلية، فيديوهات بلغة الإشارة، وأدوات مصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتهم كما تقدم محتوى للمختصين والأولياء وأي شخص عموما يهتم بتعلم لغة الإشارة".

وبخصوص التحديات التي واجهتها قالت "منذ أن بادرت أنا وأختي مي التونسي ببعث هذه المنصة التعليمية واجهنا تحديات مرتبطة بالعقلية أولاً حيث طرح علينا أشخاص للأسف عدة أسئلة في استغراب شديد على غرار: ألم تجدوا شيئاً أخر تفعلونه غير تدريس الصم والبكم؟ ثم واجهنا تحديات مرتبطة بالبيروقراطية الإدارية وواجهنا رفض بعث المنصة ومحاولات المنع والإحباط، وتنقلنا كثيراً بين الجهات للتواصل مع الهياكل المعنية وتأسيس المنصة".

تقريباً لم يؤمن أحد بفكرتها حتى والديها طلبا منها إيجاد مشروع آخر "كان الجميع ينظرون إلينا باستغراب حتى أن والدتي ووالدي أشارا علينا بالعدول عن الفكرة والبحث عن عمل آخر، وذلك بسبب خوفهم الشديد من متاعب التنقل ومتاعب المشروع الذي تم تأسيسه لأول مرة".

التحديات لم تتوقف هنا فلم تجد فرح التونسي أي تفاعل من الأساتذة المختصين بداية الأمر بتدريس هذه الفئة المستهدفة، والتي تحتاج خصوصيات إنسانية وتكنولوجية ومحتوى تعليمي خاص "هذه التحديات وغيرها لم تثنينا عن تأسيس المنصة التعليمية الأولى في تونس لمساعدة فاقدي النطق والسمع الذين اضطروا إلى ترك دراستهم وبالتالي الحرمان من التعلم كحق شرعي بالنسبة لهم".

التحديات كبيرة ومتراكمة ولكن بالعمل الجدي وبذل الجهد واجهت التحديات وخلقت منها حلولاً جذرية، وها هي المنصة اليوم تتقدم وتجد حلولاً حتى يكون للصم والبكم فرصة تعليمية ثانية أو إمكانية التعلم من جديد، خاصة بعد إمضاء اتفاقية شراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية كهيكل حكومي يُعنى بهذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وحول مدى تفاعل الأهالي مع هذه المنصة ومدى تقبلهم لها قالت فرح التونسي "كانت بالنسبة لهم شيئاً جديداً ولم نتوقع في البداية تصفيقاً بل توقعنا العزوف وطرح أسئلة كيف ولماذا أدرس ابني عبر هذه المنصة، نعم في البداية استغرب الأهالي وأدركنا أن كل شيء جديد يتطلب الكثير من التوعية فانطلقنا في حملات توعوية مع الأولياء على الميدان أو بالفضاء الرقمي والصحافة والراديو والتلفزة وعملنا على اقناعهم بأن ابناءهم بحاجة إلى أن يتمتعوا بحقهم التعليمي وأن لا شيء أهم من التعليم، ومع مرور الوقت نجحت عمليات الإقناع وبدأ الاقبال شيئاً فشيئاً على المنصة وأصبحت منصتنا "اسداء" ملجأ للمنقطعين عن التعليم".

البداية كانت من تقديم محتوى للصغار ثم تقديم محتوى حصص متابعة تربوية وأبوية حتى يتابع مع طفله العملية التعليمية ويساعده على كيفية المراجعة "لقد فهم الأولياء المسؤولية الملقاة على عاتقهم".

وحول الرسالة التي تتوجه بها إلى الشباب خاصة خريجي الجامعة العاطلين عن العمل في انتظار التوظيف الحكومي قالت فرح التونسي "لا تنتظروا الفرصة حتى تطرق بابكم بل اذهبوا إليها وآمنوا بأفكاركم واعملوا على تحقيقها".