أربع ضحايا في شهر واحد... عندما تساهم الأزمات في استباحة أرواح النساء
شهدت تونس خلال الأشهر الأخيرة موجة أزمات رفعت منسوب العنف الأسري، لتسجل أربع جرائم قتل نساء في شهر واحد، في مؤشر خطير على تفاقم الظاهرة وتراجع فعالية منظومة الحماية، ما يطرح سؤلاً ملحاً من يوقف النزيف؟.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ أكدت تونسيات أن تصاعد جرائم قتل النساء يعكس فشل منظومة الحماية وتراكم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مشددات على أن العنف الأسري لم يعد حالات معزولة بل مساراً متصاعداً يستوجب إصلاحاً جذرياً وسياسات فعالة.
أطلقت جمعية أصوات نساء أمس الجمعة 18 أيلول/سبتمبر المنصة الرقمية المخصصة لتوثيق جرائم قتل النساء ورصد الحالات القائمة، استناداً إلى مبدأ أن غياب التوثيق يحول دون التغيير، وأن هذه الجرائم تتجاوز حدود الأرقام، إذ تقف خلف كل حالة امرأة لها حياة وسياق لا ينبغي أن يُمحى من الذاكرة.
وقالت مريم الماكني عضوة جمعية أصوات نساء والمسؤولة عن ملف قتل النساء، إن المنصة الرقمية المخصصة لتوثيق هذه الجرائم تُعد أداة تتيح تتبع الحالات في مختلف مناطق البلاد عبر خريطة تفاعلية، وتمكن من الاطلاع على معطيات موثقة تتعلق بالضحايا والمعتدين وظروف الجرائم وسياقاتها "أن التوثيق الدقيق للبيانات يمثل خطوة أساسية لفهم حجم الظاهرة وتطورها وإنتاج معلومات موثوقة يمكن أن يستفيد منها الصحفيون، والباحثون وصناع القرار".
وأوضحت أن جمعية أصوات نساء أطلقت المنصة بالشراكة مع جمعية المرأة والمواطنة بالكاف، مشيرةً إلى أن الأرقام المسجلة بعد قضية مقتل رفقة الشارني تُظهر ارتفاعاً متواصلاً في عدد الضحايا، إذ انتقل العدد من 6 حالات عام 2018 إلى 25 حالة عام 2024 "الهدف من المنصة هو ترسيخ الاعتراف بجرائم قتل النساء كجريمة مستقلة تستوجب مقاربة خاصة، والدفع نحو سياسات عمومية قادرة على حماية النساء من مختلف أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي".
من يوقف النزيف؟
تُقتل نساء لأنهن نساء، بعد مسارات ممتدة من العنف والتهديد وفي ظل سياسات حماية عاجزة عن الردع، فخلال آب/أغسطس الماضي وحده سُجلت أربع جرائم قتل من بينها جريمة حي التحرير بالعاصمة حيث قُتلت امرأة حامل بتوأم وأم لطفل خنقاً، وفي برج الطويل طعنت امرأة أربعين مرة على يد زوجها كما قٌتلت مريم عامر وهي أم لطفلين بطعنتين في القلب.
وترى جمعية أصوات نساء أن جريمة مريم عامر كانت قابلة للتفادي لو وُفرت الحماية اللازمة وتعاملت السلطات بجدية مع مؤشرات العنف، وتشير الجمعية إلى أن العنف لا يقتصر على الأزواج، إذ شهدت البلاد جريمة مروعة ألقى فيها أب ابنتيه من الطابق الثالث، ففارقت الرضيعة الحياة ونجت شقيقتها ذات الثلاث سنوات.
وتأتي هذه الجرائم في وقت تم فيه تسجيل 16 جريمة قتل نساء منذ بداية العام، ما يعكس استمرار الظاهرة في ظل صمت الدولة وتخليها عن مسؤوليتها في حماية النساء، وهنا تبرز مفارقة أساسية في السياسات والخطابات المتعلقة بحماية الأسرة، ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه الأسرة فضاءً للأمان والحماية، يتحول الحفاظ على تماسك الأسرة، في بعض الحالات، إلى أولوية تتقدم على حماية النساء والأطفال.
الضغط والتوتر
وقالت مريم شورابي طالبة ماجستير في القانون، إن أزمات صيف 2026، من انقطاع الماء والكهرباء ونقص المياه المعدنية، رفعت منسوب الضغط لدى التونسيين وأسهمت في تفاقم العنف، وهو ما انعكس في تسجيل أربع جرائم قتل ارتكبها أزواج ضد زوجاتهم خلال شهر واحد.
وترى أن القانون عدد 58 رغم أهميته لم يحقق فاعلية كاملة لأن معالجة العنف لا يقتصر على التشريع بل تتطلب تخفيف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المواطنون "أن الحد من الجرائم يمر عبر إصلاح المنظومة وتوفير شروط العيش الكريم، لا عبر ترك الناس تحت ضغط قد يقود إلى اضطرابات عنيفة".
واعتبرت أن صمت المرأة أمام العنف يسهل تفاقمه، إذ إن وضع حد للاعتداء منذ بدايته خطوة حاسمة تمنع تطوره، لأن المعتدي حين لا يواجه تبعات يواصل العنف بلا خشية "أن إسقاط بعض النساء للدعاوى والتنازل عن حقهن في التتبع يفتح الباب أمام تكرار العنف وصولاً إلى نهايات مأساوية".
وتشير إلى أن الروبرتاجات التي شاهدتها تكشف حجم العنف داخل بعض المنازل، من بينها حالة رجل خنق أطفاله ورماهم في بئر انتقاماً من زوجته، وأخرى لوالد اعتدى على زوجته باستمرار ثم حبس ابنته شهراً كاملاً دون طعام حتى فارقت الحياة "أن مثل هذه الوقائع تُظهر أن نصائح العائلات للنساء بالصبر إلى أن يُرزق الزوج بأطفال يهدئونه ليست سوى وهم، إذ تُبين بعض الحالات أن الأطفال أنفسهم قد يتحولون إلى ضحايا في سياق تعذيب الأم أو الانتقام منها".
التقتيل ليس فعلاً معزولاً
وقدمت رحمة بن سليمان، أخصائية علم الاجتماع، قراءة تعتبر أن قتل النساء ليس فعلاً طارئاً أو نتيجة غضب لحظي، بل الحلقة الأكثر عنفاً في مسار اجتماعي طويل تُشكله علاقات القوة والتمثلات الجندرية والتنشئة والتبعية الاقتصادية وتطبيع العنف داخل الأسرة. وترى أن الجريمة تسبق عادة بمراحل من الإخضاع النفسي والتحكم والإهانة والعنف بمختلف أشكاله وصولاً إلى تحويل المرأة إلى موضوع للسيطرة ونزع قدرتها على تقرير مصيرها.
وأكدت أن قتل النساء يرتبط ببنية اجتماعية تُنظّم الأدوار والعواطف داخل الأسرة، وتعيد إنتاج علاقات قوة تُحمل المرأة عبئاً عاطفياً أكبر، فيما يُمنح الرجل هامشاً أوسع للتعبير عن الغضب والسيطرة، وفي هذا الإطار يصبح الصبر والتضحية جزءاً من منظومة تضبط سلوك المرأة وتحد من قدرتها على الرفض أو المغادرة.
وتشير إلى أن التمكين الاقتصادي لا يقتصر على تحسين الدخل أو توفير عمل بل يعني توسيع قدرة المرأة على اتخاذ القرار والتفاوض وترك العلاقة العنيفة وإعادة بناء حياتها، فغياب الاستقلال المالي، إلى جانب ضعف شبكات الدعم والخوف من الوصمة، يضيّق مجال الفعل الاجتماعي ويجعل الانفصال عن علاقة عنيفة أكثر كلفة وصعوبة.
كما توضح أن العنف الأسري يتطور غالباً ضمن مسار تصاعدي يبدأ بالتحكم في الحركة والعلاقات واللباس والعمل ثم ينتقل إلى الإهانة والتهديد والعنف النفسي والجسدي والاقتصادي، وقد يبلغ أقصاه حين تُختزل السيطرة في إلغاء وجود المرأة ذاته، وهنا يتحول جسدها إلى مجال صراع حول السلطة والحق في تقرير المصير.
وشددت على أهمية تعزيز استقلال المرأة الاقتصادي والاجتماعي، وتطوير آليات الحماية والتدخل المبكر، وتحويل العنف الأسري من شأن خاص إلى قضية اجتماعية ومؤسساتية تستوجب الرصد والمساءلة.
وتخلص إلى أن الرهان الحقيقي لا يكمن في التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، بل في تفكيك البنية التي تسمح بتطبيع العنف واستمراره وتصعيده، فمواجهة قتل النساء تتطلب الانتقال من معالجة النتيجة إلى فهم المسار الاجتماعي الذي يجعل الوصول إليها ممكناً.