أمل المدرس… ستة عقود من الصوت الذي رافق ذاكرة العراقيين
شكلت الإعلامية الرائدة أمل المدرس حكاية صمود وموهبة وإصرار، وبصوتها وحضورها ومسيرتها التي تجاوزت ستة عقود من العطاء جسدت حضوراً لا يزال يلهم أجيالاً من الإعلاميين حتى اليوم.
رجاء حميد رشيد
العراق ـ من "ستوديو عشرة" إلى لقب "أم العراقيين"، ومن محاولة اغتيال كادت أن تُسكت صوتها إلى عودة أقوى أثبتت أن 10% من القدرة تكفي لصنع أثر لا يُنسى. مسيرة إعلامية صاغتها الموهبة والانضباط، وكرّستها التجربة والتحديات، لتبقى واحدة من أهم القامات التي شكّلت تاريخ الإذاعة والتلفزيون في العراق.
تعد الإعلامية الرائدة أمل المدرس البالغة من العمر 79 عاماً، واحدة من أبرز القامات الإعلامية العراقية التي تركت بصمة مميزة في الإذاعة والتلفزيون على مدى أكثر من ستة عقود، صاحبة الحضور المميز والصوت الرخيم، التي ارتبط اسمها ببرنامجها الشهير "ستوديو عشرة" الذي ما زال راسخاً في ذاكرة الجمهور منذ انطلاقته الأولى عام 1996، وقد استمر البرنامج لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، يتابعه المستمعون كل يوم جمعة، قبل أن تعود إلى تقديمه مجدداً عام 2018 بعد انقطاع دام عشر سنوات إثر تعرضها لمحاولة اغتيال تسببت لها بنسبة عجز بلغت 90 بالمئة، لكنها تؤكد أن الـ 10 بالمئة المتبقية كانت كافية لتستمر في خدمة بلدها، وتستعيد حضورها الإعلامي الذي طالما رافقته عبارتها الشهيرة "إذاعة جمهورية العراق من بغداد".
عندما عادت الإعلامية الرائدة أمل المدرس لتقديم الحلقة الأولى من برنامجها الشهير بعد سنوات طويلة من التوقف، انهالت عليها اتصالات المستمعين الذين غلبتهم دموع الفرح وهم ينادونها بـ "أم العراقيين"؛ وهو اللقب الذي تعتبره من أجمل ما نالته في مسيرتها، بل وترى فيه فوزها الحقيقي.
وأوضحت تفاصيل العمل الإعلامي عامة والإذاعي خاصة من خلال مسيرتها الإعلامية التي امتدت لأكثر من ستين عاماً "عندما دخلت مجال الإعلام عام 1962 كنت صغيرة السن ولم أبلغ السن القانونية، وطلب مني العمل في الإذاعة بعد الحصول على موافقة العائلة، وكانت والدتي هي من وقعت على تعهد الموافقة، وكانت ترافقني دائمًا أثناء الدوام".
وتعد أمل المدرس أول مذيعة تترأس قسم المذيعين، وأول مذيعة تشارك في لجنة اختبار المذيعين خلال ثمانينيات القرن الماضي، والتي لقبت بكروان الإذاعة والتلفزيون، ورُشحت مذيعة القرن خلال استفتاء شعبي أجرته قناة الشباب عام 2000، كما كُرمت من قبل جامعة الدول العربية في القاهرة كأفضل إعلامية عراقية عام 2017، واختيرت امرأة العام من قبل منظمة بريطانية في لندن.
تحديات مهنية
وعن أبرز التحديات التي واجهتها، قالت "التحديات كثيرة، لكن أكثرها إيلاماً تلك التي تأتي من أشخاص مقربين أو تكون ذات طابع غير مهني. ففي الوسط الإعلامي هناك من يحاول المنافسة بطرق غير مهنية. واجهت ذلك بالصمت وما زلت أواجه حتى الآن، أما التحدي الآخر فكان محاولة الاغتيال التي تعرضت لها عام 2007، لكنني واجهتها بقوة وعدت إلى العمل مجدداً عام 2017، وتم تكريمي عام 2018 من قبل منظمة امرأة العام في لندن، وكانوا يطلقون عليّ لقب المرأة الحديدية".
وعن المساواة بين الرجل والمرأة في المجال الإعلامي، أكدت أنه "من خلال تجربتي الشخصية وعملي كمذيعة ومقدمة برامج تلفزيونية، وجدت أن المردود يعتمد على العطاء والتميز والإبداع في العمل، سواء كان الإعلامي رجلاً أم امرأة".
الموهبة أساس العمل الإعلامي
وأكدت أن العمل الإعلامي اليوم يواجه أزمة وتحديات كبيرة جداً، لكن ذلك لا يعني أن جميع العاملين فيه غير مؤهلين، فهناك طاقات شابة قادرة على شق طريقها بنجاح في هذا المجال إذا استطاعت تقييم نفسها أولاً، وامتلكت مؤهلات الإعلامي الناجح.
وبحسب الإعلامية أمل المدرس هناك شروط مطلوبة لنجاح الإعلامية والتي تفند أول شرط منها وهو الموهبة التي يجب العمل على تنميتها وتطويرها وصقل مهاراته فيها، بما يضمن النجاح في المسيرة المهنية، كما يجب أن تتوافر خصائص ومؤهلات عديدة، أهمها إتقان اللغة، وجمالية الإلقاء، والشخصية المناسبة للعمل.
مواقف محرجة ودروس لا تُنسى
كشفت المذيعة أمل المدرس عن مجموعة من المواقف التي شكّلت تجربتها المهنية، أبرزها نقلها من قسم التمثيليات والبرامج الخاصة، الذي اعتبرته بمثابة جامعة تعلّمت فيها مختلف فنون الإذاعة. في هذا القسم كان التدريب صارماً؛ يبدأ المذيع بالبرامج المسجّلة، وتُعاد التسجيلات عند الخطأ مع تصحيح اللفظ والنبرة وطريقة الإلقاء حتى يصبح مؤهلاً لقراءة الأخبار.
وذكرت أيضاً موقفاً محرجاً في بداياتها حين كانت مذيعة ربط تقدّم الأغاني والمواد الإذاعية. أثناء تقديم فقرة عن المقام العراقي صادفت عبارة لم تفهمها وظنّتها اسم أغنية، فخرجت لتسأل زميلها الذي أوضح لها المعنى، فتعلمت أهمية السؤال قبل الوقوع في الخطأ على الهواء.
وبعد عامين من العمل، نُقلت إلى قسم المذيعين بعد أن باتت جاهزة لتقديم نشرات الأخبار، لكنها لم تُكلَّف بها مباشرة، بل خضعت لتدرّج مهني دقيق، على عكس ما يحدث اليوم، وترى أنه عندما يدفع بعض المذيعين مباشرة إلى استوديو الأخبار دون تدريب كافٍ، وهو ما تعتبره إجحافًاً بحق المهنة.
التكنولوجيا الحديثة والإعلام
وعن التطورات التكنولوجية المتسارعة، ولا سيما استعانة بعض القنوات الإخبارية بمذيعين آليين (روبوتات) لتقديم النشرات، أكدت أنه من الصعب مقارنة المذيعات بالمنتجات التقنية التي أبدعتها البشرية.
وشددت على أهمية التكنولوجيا للجميع، لكنها أكدت ضرورة معرفة كيفية استخدامها بالشكل الصحيح "أصبح مفهوم التكنولوجيا الحديثة لدى البعض مفهوماً خاطئاً، إذ يكتفي بعض الإعلاميين بقراءة النصوص من الهاتف المحمول من دون الانتباه إلى ضبط الحركات، لذلك من الضروري أن يتقن الإعلامي اللغة العربية وحركات الكلمات".
وتعد تجربة الإعلامية أمل المدرس أكثر من مجرد تاريخ مهني؛ إنها شهادة حيّة على قوة الإرادة، وعمق الموهبة، وصدق الالتزام برسالة الإعلام. فقد استطاعت، رغم التحديات الصعبة ومحاولة إسكات صوتها، أن تعود أكثر حضوراً وتأثيراً. وبين نجاحات طويلة ومحطات مؤلمة ودروس لا تُنسى، شكلت نموذجاً للإعلامي الذي يصنع أثره بالعمل الجاد، وبالقدرة على التطور.