العودة التي تحوّلت إلى فاجعة... فلسطينية تفقد عائلتها بعد ساعة من وصولها غزة
بعد دقائق من عودتها إلى غزة، خسرت منى لبد عائلتها في قصفٍ دمّر المنزل؛ لتجد نفسها أمام مهمة إنقاذ الناجية الوحيدة من المجزرة.
نغم كراجة
غزة ـ لم تكن منى لبد تتخيل أن رحلة العودة التي انتظرتها طويلاً ستقودها إلى واحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياتها، بعد عام ونصف أمضته في مصر برفقة أبنها المصاب الذي يتلقى العلاج إثر إصابته خلال الحرب على قطاع غزة، قررت العودة إلى مدينتها على أمل أن تعانق عائلتها وتستعيد بعضاً مما سرقته منها شهور الغياب الطويلة، حملت معها شوقاً متراكماً وأحلاماً بسيطة بلقاء الأحبة، غير أن الحرب كانت تهيئ لها مشهداً مختلفاً تماماً.
وصلت منى لبد إلى غزة دون أن تخبر أفراد عائلتها بموعد عودتها، أرادت أن تصنع لهم مفاجأة طال انتظارها، وأن ترى الدهشة على وجوههم حين تطرق باب المنزل فجأة بعد شهور الفراق لكن المفاجأة التي كانت تعدها لهم تحولت خلال وقت قصير إلى مأساة ستظل تطاردها ما بقيت على قيد الحياة.
عودة تتحوّل إلى كارثة
بعد نحو نصف ساعة فقط من وصولها، استهدف قصف إسرائيلي منزل العائلة بشكل مباشر؛ لتتحول لحظات الانتظار والفرح إلى صرخات واستغاثة وركام يغطي كل شيء، خلال دقائق معدودة فقدت شقيقتها وأبناءها وعدداً من أفراد الأسرة الذين كانوا داخل المنزل لحظة الاستهداف.
تقول منى لبد وهي تستعيد تفاصيل تلك الساعات الثقيلة "عدت من السفر بعد عام ونصف وأنا أحمل شوقاً لا يوصف لعائلتي، كنت أريد أن أفاجئهم بعودتي لكنني فوجئت بأنني فقدتهم جميعاً خلال ساعات قليلة، لم أتمكن حتى من الجلوس معهم أو احتضانهم أو الحديث إليهم عن رحلة العلاج الطويلة التي أبعدتني عنهم".
وتضيف بصوت يختلط فيه الذهول بالحزن "حتى الآن لا أستوعب ما حدث، كنت أظن أن أصعب ما واجهته هو الغربة ومرافقة ابني المصاب طوال هذه الفترة لكنني عدت لأجد نفسي أمام فاجعة أكبر من قدرتي على الاحتمال".
ومن بين الركام والدمار، خرجت الطفلة حلا لبد التي لم تتجاوز عشرة أعوام، طفلة نجت من القصف وحدها بأعجوبة، وأصبحت الشاهد الوحيد على المجزرة التي أودت بحياة والدتها وأشقائها وبقية أفراد أسرتها.
طفولة معلّقة
إلا أن النجاة لم تعنِ انتهاء المأساة، فقد أصيبت حلا لبد بحروق بالغة من الدرجة الرابعة أصابت أجزاء واسعة من جسدها، وألحقت أضراراً خطيرة بأحد أطرافها، فيما تعاني اليوم من تدهور مستمر في حالتها الصحية وسط نقص حاد في الإمكانيات الطبية والأدوية اللازمة لعلاجها.
ترقد الطفلة حلا لبد على سرير المرض بين الألم والضمادات، بينما تخوض خالتها معركة يومية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسد أنهكته الحروق والإصابات العميقة، الأطباء يحذرون من أن استمرار تدهور حالتها قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، فيما يظل خطر بتر يدها المصابة قائماً في ظل غياب الإمكانيات العلاجية المتخصصة التي تحتاجها بشكل عاجل.
وتقول منى لبد "حلا تعاني آلاماً لا يمكن وصفها، جسدها الصغير احترق بشكل كبير، وهي تحتاج إلى رعاية طبية متقدمة غير متوفرة حالياً، أكثر ما يؤلمني أنني عاجزة عن تخفيف وجعها أو توفير العلاج الذي قد ينقذ يدها ومستقبلها".
لكن الجرح الأكبر لا يكمن فقط في الحروق التي تغطي جسد الطفلة، بل في الحقيقة التي ما زالت غائبة عنها حتى الآن، فحلا لا تعلم أن والدتها وأشقاءها وكل أفراد أسرتها الذين كانوا معها داخل المنزل قد ماتوا في القصف.
وتوضح منى لبد أنها "كلما سألت عن والدتها أو إخوتها أخبرها أنهم سافروا إلى الخارج لتلقي العلاج لأن إصاباتهم خطيرة، لا أملك الشجاعة لأقول لها الحقيقة الآن، فهي بالكاد تتحمل آلام جسدها".
وتضيف "تسألني يومياً متى سيعودون، ومتى ستراهم مجدداً، أحاول أن أتماسك أمامها وأمنحها إجابات تبقيها هادئة، لكنني في داخلي أشعر بانكسار كبير. أعرف أن اليوم الذي ستكتشف فيه الحقيقة سيكون صعباً للغاية".
في كل مرة تستيقظ فيها حلا لبد من نومها، تبحث بعينيها عن الوجوه التي اعتادت رؤيتها حولها، تسأل عن والدتها، وأشقائها، عن منزلها الذي لم يعد قائماً، وعن الأيام التي كانت تعيشها قبل أن يحول القصف حياتها إلى سلسلة من الألم والخسارات.
انتهاكات جسيمة
ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية والصحية في قطاع غزة، تتراجع فرص حصول الأطفال المصابين بحروق خطيرة على العلاج المتخصص الذي يحتاجونه، ويواجه المصابون بالحروق العميقة مخاطر كبيرة تشمل الالتهابات الحادة، والتشوهات الدائمة، وفقدان الأطراف إضافة إلى الآثار النفسية طويلة الأمد التي ترافقهم لسنوات.
بالنسبة لمنى لبد، لم تعد المعركة مرتبطة فقط بالحفاظ على حياة ابنة شقيقتها، بل أيضاً بحماية ما تبقى من طفولتها الهشة، فهي تدرك أن الحروق قد تلتئم يوماً ما لكن خسارة العائلة بأكملها ستبقى جرحاً مفتوحاً في ذاكرة طفلة لم تتجاوز سنواتها القليلة.
وتختم حديثها قائلة "أخشى على حلا من الألم أكثر مما أخشى على نفسي، فقدت أمها وإخوتها وكل من كانت تحبهم، وهي لا تعلم شيئاً بعد، كل ما أتمناه أن تحصل على العلاج الذي تحتاجه وأن تنجو من هذه المحنة؛ لأن ما مرت به يفوق قدرة أي طفل على الاحتمال".
وتُظهر هذه القصة حجم الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأطفال خلال النزاعات المسلحة، إذ تمثل إصابة حلا وفقدان عائلتها انتهاكاً لحق الطفل في الحياة والأمان والحماية المنصوص عليه في اتفاقية حقوق الطفل، كما أن حرمانها من الرعاية الطبية المتخصصة اللازمة لعلاج إصاباتها يهدد حقها في الصحة والعلاج، ويضاف إلى ذلك ما تعرضت له من صدمة نفسية وفقدان للأسرة والحماية الأسرية، وهي حقوق تكفلها المواثيق الدولية للأطفال في أوقات النزاعات.